الحرب السرية لفرنسا داخل ليبيا

ايوان24 – لوموند

دفعت هجمات 13 تشرين الثاني/نوفمبر فرنسا لتغيير سياستها في التعامل مع التهديدات الأمنية التي تواجهها، مثلما دفعت هجمات 11 أيلول/سبتمبر الولايات المتحدة للدخول في مواجهة مباشرة مع “التنظيمات الإرهابية” منذ سنة 2001. وإذا كانت فرنسا لازالت لم تبلغ مرحلة متقدمة في حربها ضد التنظيمات المتطرفة تدفعها لحشد امكانياتها المادية والعسكرية في مواجهة التهديدات الأمنية، حيث انحصر تدخلها العسكري في دعم التحالفات المشتركة مع الولايات المتحدة ودول أوروبية، فإن هذه التنظيمات، وتحديدا تنظيم الدولة، نجحت في استدراج فرنسا إلى حرب سرية مكلفة في ليبيا.

لطالما حاولت فرنسا تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة رغم ادراكها لطبيعة التهديدات التي يمثلها تنظيم الدولة على أمنها الداخلي ومصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وهو ما أكده أحد المسؤولين رفيعي المستوى في وزارة الدفاع الفرنسية امتنعت الصحيفة عن ذكر اسمه. ذكر المسؤول الفرنسي أن التدخل العسكري المباشر يبقى آخر الخيارات التي يمكن أن تلجئ إليها فرنسا في هذه المرحلة للتعامل مع التهديد المتنامي لتنظيم الدولة في ليبيا.

يقتصر التدخل العسكري لفرنسا في ليبيا على تسديد ضربات موجهة لقيادات تنظيم الدولة، وتفادي الدخول في مواجهة مباشرة يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية بسبب غياب المعطيات الضرورية عن طبيعة الوضع في ليبيا وتطوراته الميدانية، لذلك فإن فرنسا لا تسعى للفوز بحربها ضد تنظيم الدولة الذي يمثل تهديدا حقيقيا لمصالحها واستقرارها، بل تهدف إلى توجيه ضربات موجعة تعمل على شل العمل القيادي للتنظيم، وبالتالي تضمن الحد من قدراته جغرافيا وعسكريا.

تدرك فرنسا أن طبيعة الصراع في ليبيا تفرض عليها الدخول في تحالفات مع الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى لحماية مصالحهم المشتركة، لكن ذلك لم يمنعها من القيام بعمليات عسكرية غير رسمية من خلال إرسال قوات خاصة في مناطق مختلفة من شرق ليبيا، والتي حدد الرئيس الفرنسي مهامها بصفة مسبقة في إطار برنامج عسكري غير رسمي للقيام بعمليات سرية بداية من منتصف شهر شباط/فبراير الجاري.

تتسم طبيعة التدخل العسكري الفرنسي في ليبيا بالغموض رغم وجود عديد المؤشرات على تواجد قوات عسكرية سرية تابعة للمديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي في مناطق مختلفة في شرق ليبيا. تعمل هذه الوحدات السرية بالتوازي مع الوحدات العسكرية الرسمية، لكن أهدافها ومهماتها تختلف تماما عن طبيعة التدخل الذي تقوم به الوحدات الرسمية التابعة للجيش الفرنسي، والتي تمكن البعض من رصد نشاطاتها في ليبيا بعد توثيق عملياتها القتالية بأزياء رسمية للجيش الفرنسي.

يبدو أن فرنسا أصبحت أكثر اقتناعا أن العمليات العسكرية السرية هي الإطار الوحيد الذي يسمح لها بحماية مصالحها وتنفيذ مهمات قتالية في غياب الظروف المناسبة لشن حرب مفتوحة ومباشرة في ليبيا، لكن ذلك لا يعني ضرورة أن فرنسا ترغب في الدخول في حرب مماثلة في الوقت الحالي إذا سنحت لها الفرصة المناسبة، لأن قرارا مماثلا قد يحمل معه نتائج عكسية إذا لم تسبقه دراسة جيدة لطبيعة الوضع في ليبيا.

إن الخيار العسكري لم يكن مستبعدا منذ أن أصبحت ليبيا حاضنة جديدة لمقاتلي الرايات السود في إفريقيا. اتخذ هذا التدخل أشاكلا عديدة، من بينها ضربات جوية للقوات الدولية المتكونة من تحالفات بين الولايات المتحدة وأوروبا. لكن السلطات الليبية التي تساند ضربات جوية موجهة، رفضت تواجد قوات أجنبية على أراضيها.

ويمثل التدخل العسكري في ليبيا، في الوقت الذي يشهد فيه الوضع الليبي تطورات سريعة، مجازفة خطيرة، وهو ما تدركه الدول الغربية التي لازالت مترددة في حسم موقفها من عمليات عسكرية واسعة في الأراضي الليبية، خاصة في غياب تفويض رسمي من منظمة الأمم المتحدة لهذه العمليات، وتزايدة المخاوف من تأثير تدخل مماثل على الاستقرار في ليبيا بعدما أدى التدخل العسكري في سنة 2011 إلى إدخال البلاد في حالة من الفوضى والفراغ السياسي، وهو ما يمكن أن تكون له إنعكاسات سلبية على دول الجوار إذا خرج الوضع عن السيطرة، وخاصة بالنسبة لتونس التي تشهد إستقرارا هشا منذ خمس سنوات.

تدرك الدول الغربية، وعلى رأسها فرنسا وإيطاليا اللتان تساندان أكثر من أي دول أوروبية أخرى القيام بعمليات عسكرية في ليبيا، أن المعطيات في ليبيا تختلف عن المعطيات في العراق وسوريا، فتنظيم الدولة في ليبيا يمتلك حدود بحرية تبعد فقط عشرات الكيلومترات عن الساحل الجنوبي لأوروبا، وهو ما يثير مخاوف الدول الأوروبية من سيناريوهات غير محتملة على السواحل الليبية.

دفعت المخاوف الغربية من توسع تنظيم الدولة في ليبيا إلى مراقبة تطورات الوضع الليبي بحذر شديد، وتنفيذ ضربات جوية بناء على معطيات استخباراتية دقيقة، آخرها العملية الجوية التي نفذتها الطائرات الأمريكية يوم 19 شباط/فبراير ضد مجموعة من المقاتلين التابعين لتنظيم الدولة، واسفرت العملية عن مقتل عدد من العناصر من بينهم التونسي، نور الدين شوشان.

ومثلت هذه الضربات الجوية المحدودة موضوع تعاون استراتيجي بين الولايات المتحدة، فرنسا وبريطانيا منذ سنة 2015 لمواجهة التهديد المتزايد الذي يمثله تنظيم الدولة في ليبيا. وذكرت الولايات المتحدة في بيان رسمي للمتحدث باسم وزارة الدفاع أن العملية الجوية الأخيرة استهدفت مجموعة من المقاتلين “الذين كانوا يخططون لاستهداف مصالح دبلوماسية للدول الغربية في دول المنطقة”.

نفذت الولايات المتحدة عمليات أخرى مماثلة في مناسبتين سابقتين في ليبيا، واعتمدت على التعاون الاستخباراتي والعسكري مع فرنسا وبريطانيا في مراقبة تحركات قادة تنظيم الدولة، وهو ما سمح لها باستهداف العنصر العراقي البارز في تنظيم الدولة في ليبيا، أبو نبيل الذي تمكنت طائرات أف15 الأمريكية من القضاء عليه في مدينة درنة بعد تنفيذ غارة جوية انطلاقا من قاعدة لايكنهيلث البريطانية بناء على معطيات استخباراتية دقيقة قدمتها فرنسا حول تحركاته.

سمحت سياسة التحالفات التي اتبعتها فرنسا بإضفاء نجاعة أكبر على تدخلها العسكري في ليبيا “لحماية مصالحها الاستراتيجية”، لكنها تدرك من جهة أخرى ضرورة المحافظة على تواجدها العسكري المحدود بصفة مستقلة عن شركائها من الدول الغربية، لتوفير هامش أكبر لعملياتها العسكرية في ليبيا بمنأى عن سياسة المصالح المشتركة التي تربطها بأوروبا والولايات المتحدة.

تندرج العمليات العسكرية الفرنسية ضد تنظيم الدولة في ليبيا ضمن خطة استراتيجية تبناها فرانسوا هولاند لإعادة هيكلة جهاز الإدارة العامة للأمن الخارجي الذي يشرف عليه برنارد بجولي. تقوم هذه الخطة على القيام بإصلاحات داخلية تشمل دعم القدرات البشرية للجهاز الأمني الذي تتمثل مهمته الرئيسية في حماية المصالح الاستراتيجية الفرنسية في الخارج، ولذلك قام فرانسوا هولاند بتمديد مهمة برنارد بجولي الذي يبلغ من العمر 67 سنة في الإدارة العامة للأمن الداخلي إلى حدود سنة 2017، للإشراف على وضع النقاط الرئيسية لتطوير هذا الجهاز الأمني وزيادة عدد الموظفين العاملين فيه لبلوغ 7000 عون خلال السنوات القليلة القادمة.

وتدرك فرنسا جيدا أنها في حاجة للاستعداد لكل السيناريوهات في حربها ضد تنظيم الدولة، ولكنها تدرك أيضا أن هذه الحرب مكلفة وطويلة الأمد، ولذلك يعمل فرانسوا هولاند على تعبئة الإمكانيات الاستخباراتية والعسكرية لمواجهة نشاطات تنظيم الدولة من خلال تنفيذ عمليات عسكرية استباقية وسرية في ليبيا.

المصدر