العالم العربي بين الإقتسام والتقسيم

إذا كان هنالك من ذي بصر وبصيرة، فإن فيما حدث في الربيع العربي بشكل عام، وفيما يحدث الآن في الثورة السورية المجيدة، عظة وتذكرة: لابد للنخب الحاكمة أن تقتسم السلطة مع الشعوب، أو فلتنتظر تقسيم الأوطان، فهو قادم لامحالة.

ولقد ذكرتُ في دراسة منشورة بأن هنالك علاقة مباشرة بين الربيع العربي وأزمة هوية تفت في جسد العالم العربي، منذ زمن. هذه الأزمة تتمثل في غياب الإجابة على السؤالين التاليين: ماهي العلاقة بين الفرد والجماعة؟ وماهي العلاقة بين الشعب والدولة؟ وجاء الربيع العربي محاولا الإجابة على هذين السؤالين. لأسباب سوسيو-اقتصادية وسياسية عديدة، تم التركيز على السؤال الثاني في الفعل السياسي للربيع العربي. لكن السؤال الأول قادم بلا شك.

لا أحد يعرف العلاقة التي تربط الفرد بالجماعة، بشكل دقيق. بمعنى، ماهي الحقوق الأساسية للفرد، والتي لايحق لأي صوت أو أي أغلبية أن تنتقص منها شيئا؟ يخلط البعض بين صوت الأغلبية والشرعية الديموقراطية. ويستند هذا الخلط إلى نقطة مفادها بأنه مادامت الأغلبية قد صوتت على أمر ما، فهذا يعني أنه أصبح مشروعا.

وهذه كارثة، لأنه يمكن أن تصوت الأغلبية على قتل إنسان. فهل يشرع صوت الأغلبية هذا لسلب الإنسان حقه في الحياة؟ الحياة حق لايخضع للتصويت. وقياسا على ذلك، فهنالك قائمة حقوق لايجب أن تخضع للتصويت. إذا ما توصلنا لتعريف قانوني دقيق لقائمة الحقوق التي لايجوز سلبها من أي فرد، بغض النظر عن أي اعتبار، وتوصلنا لآلية مؤسساتية دقيقة وشفافة لفرضها وحمايتها، وتهيمن على الجميع، فقد توصلنا لتعريف العلاقة بين الفرد والجماعة.

وكذلك لا يعرف أحد العلاقة التي تربط الشعب بالدولة. ماهي الحقوق الأساسية التي لايمكن للدولة أن تعتدي عليها، تحت أي ظرف من الظروف؟ وماهي الضمانات التي تمنع الدولة من التعدي؟ يمكن للدولة العربية أن تدافع عن المصالح الإقتصادية للنخبة الحاكمة، وتعتدي على أمن الشعب في حالة تم تهديد مصالحها. ولعمري لقد نطق القذافي عن حال الدولة العربية حين قال: « ولعة حمرا، دار دار »، كناية عن الحديد والنار. ولايوجد مؤسسة تستطيع الوقوف في وجه النخبة الحاكمة إذا ما أرادت فعل شيئ.

ولكم أصم آذاننا طاغيةُ دمشق، دمية الروس والإيرانيين بشار، بكلامه عن القيود التي تمنع الدولة السورية من التعدي على حقوق وأمن ومصالح الشعب السوري الكريم. ولما جد الجد، صب على أهلنا وأشقائنا السوريين الأبطال، صنوف العذاب!

ولا يتوهمن أحدٌ أن أي دولة عربية ستختلف عن هذا النموذج. فإذا جد الجد، خرج علينا ألف قذافي وألف بشار وألف شبيحة!

بسبب غياب التعريفين اللذان يمكن أن يحددا العلاقتين (بين الفرد والجماعة، وبين الشعب والدولة) انتفض الجسد العربي، ينشد العزة والكرامة! وقد قدم البوعزيزي جسده قربانا للحرية، فعسى أن يُتقبل منه!

الآن، ليس من المعقول أن نتوقع من النخبة الحاكمة أن تسلم الشعب مفاتيح قصورها وخزائن الدولة العربية. لكن بإمكانهم أن يتدرجوا في الفعل. ولهذا، يجب أن يقتسم الشعب العربي السلطة معهم، في بادئ الأمر، أو سيحل بهم ماحل بغيرهم، لامحالة. فالتاريخ لايكرر نفسه، لكنه يمشي على نفس القافية، كما يقول مارك توين!

فإن انتظروا قافية التاريخ، واستمعوا لما يمنيهم به أصحاب المصالح، فإن تقسيم الدول قادم لامحالة! فكما قسم بشار سوريا، سيلتحق به ويقتدي بفعله نخبٌ حاكمةٌ كثيرة. وسيلعن التاريخ بشار وطغمته ومن يقتدي به، إلى أبد الآبدين!

هل يُعقل أن الشعوب العربية تكاد تكون الشعوب الوحيدة على سطح الأرض التي تُساق إلى حتفها — اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ومعرفيا وسياسيا وأمنيا — كما تُساق الأنعام؟ كيف يرضى إنسان بهذا الظلم والجور على أهله وبني عمومته؟ كيف يتصور أن يأمر وينهى في مصائر شعوب غُلبت على أمرها، فلا يكون لها قول فيما تؤول إليه أحوالها؟ هل يعقل ألا يعرف مواطن فيما صُرفت أمواله؟ هل يكمن لأحد أن يتصور، بأنه لا يأمن على نفسه ومصدر رزقه، إن هو تكلم فيما يتعلق بمصالح النخبة؟

فيما حدث سابقا في العالم العربي، وفيما يحدث الآن، عبرٌ كثيرة، خصوصا لأصحاب السلطة والنخب الحاكمة. لكن الركون إلى الدعة، وأسرة الحكم الأثيرة، وخزائن الشعوب وخيرات أوطانها الوفيرة، يُعمي الأبصار ويبعث على الأوهام والظنون. فتمنيهم أنفسهم بأنهم يختلفون عن بشار والقذافي، وبأن قدراتهم تختلف، وبأن الشعوب تختلف، فلا يعتبر ناظر، ولا يتدبر حكيم.