فيلم «قصتنا» التركي: فن يقدم علاجا للأزمات والانقلابات!

للأديب الإنجليزي «برنارد شو» مقولة: الأدب العظيم هو الذي يتركك أكثر نبلا فور فروغك من قرائته!

ومع فارق التشبيه فإن فيلم «حكايتنا» التركي يفعل بك ذلك تمامًا، إذ إنه أحد الأعمال الدرامية التي تستحق الوقوف أمامها بالنقد والتحليل بل الدراسة، بخاصة كيفية استطاعة الفيلم العبور بآلام لا تطاق، الإنقلابات العسكرية التركية وحالة المجتمع الملهلهة عبرها، للخروج بوردة أمل من خلال الجراح، بل معالجة الواقع الحضاري وانتظار الغد المشرق.

إننا أمام 100 دقيقة من التنوير الحقيقي لا الوهمي الغربي الذي نعانية من أفلام لا تمجد إلا في الغرب ومنجزاته وترانا أقل منه بكثير.

«أردوغان» والفيلم

اصطحب الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» زوجته ليشاهدا الفيلم في أنقرة في مايو/أيار الماضي فور طرحه في دور العرض، وصرح بعده قائلا: «حقبة الثمانينيات، وتلك السجون والآلام مَنْ منا يستطيع أن ينساها؟.. كلنا نذكرها». في إشارة إلى رسالة الفيلم بأن على الأتراك ألا يعيدوا التجربة .. مهما حدث، وإنهم إذ يشاهدون المسار الديمقراطي كيف أوصله لبوادر الرخاء وما هو أكثر لا ينبغي تكرار ما حدث!

وكانت فترة مشاهدة «أردوغان» للفيلم دقيقة تخص الاقبال على الانتخابات البرلمانية وملابساتها المعروفة.

براعة القصة

سيناريو «سيدا ألتايلي تورغوتلو» ذي الحس الأنثوي المتمكن من إلتقاط التفاصيل الدقيقة، مع إخراج «ياسين أوصلو» تركا لنا لوحة فنية أكثر من جيدة إلا قليلاً.

«إسماعيل إكنجي»، «جانسيل ألتشين»، بطل الفيلم، مؤلف تركي يدعم حقوق الأكراد في الحياة الكريمة على أرض تركيا، وفور قيام إنقلاب «كنعان إفرين» في أغسطس 1980م، لا تمر ثلاثة أسابيع إلا وتتحرك سيارات الاعتقال نحو بيوت الُكتّاب والمُنادين بالحرية، في نفس الوقت الذي يكون «إكينجي» فيه يعلم ابنه أحمد، «هالوك بيّير» قيادة الدراجة، وينصحه ألا يستسلم لقسوة الحياة.

التهمة حاضرة والإدانة مُعدة ولا محكمة هناك ولا إدعاء، فقط أحد كتبه.

وطوال الفيلم ونحن نعيش قطعا متوازيا بين الحاضر في 2015م والماضي في 1980م، وأداة نقلنا المميزة إليه دفتر مذكرات «إكينجي» الأب التي يقرأه الابن، بعد أن حصل بصعوبة عليها من إدارة السجن، والدفتر يقوده إلى الانتصار لحق أبيه وكرامة وطنه.

«نظمي يلماز»، شيوعي يساري، و«إسماعيل إكينجي» يُحسبُ على الاتجاه الآخر، إذ إنه في قضايا الإيمان الحقيقية الأصل فيها أنها الأصل، وكلاهما في إشارة إلى احترام تركيا لجميع الأفكار اليوم، وكلاهما يعاني في المعتقل طوال الوقت حتى يهتف «إكينجي»:

ـ نحن لا نبحث عن العدل فقط نريد منكم الإنسانية!

ومع تكرار ذهاب الأخير إلى الزنزانة الإنفرادية خلال 3 سنوات فترة سجنه تزداد آلامه ليموت في صباح رمضاني مشرق، ويترك خلفه صغار يقوم عليهم ابنه الكبير أحمد، ويختار أن يكون محامياً يوقف حياته على حق أبيه حتى ينتزع اعترافاً من المحكمة بظلم دولة الإنقلاب لأبيه، ورد الاعتبار لاسمه:

«إن هذه الأحداث التي مرت بها تركيا لم تكسر كرامة أبي فقط وإنما كسرت كرامة بلدي، الاعتماد على التقارير القائمة على الوشايات والشائعات ادخلت بلدنا كلها الزنازين الباردة المظلمة، وإن لم يكن أبي قد عاش ليرى اللحظة فإن العدالة لا تغيب»..

من كلمات الابن دفاعاً عن حق الأب، وهي كلمات تلامس واقع شعوب تعاني الانقلابات القهر وبطش السلطة اليوم.. وتصف طريق الخروج باختصار نحو الحرية.

الماضي كان النصف الأول من القصة اما المستقبل فله النصف الثاني أحمد واختياره لـ«إيلف»، «بورجو كيرانلي»، الطبيبة زميلة أخته، ودفتر يوميات آخر لكن لجد أحمد لأمه، يتحدث فيه عن المحبة بين الأجيال، ويعطيه كل شاب لخطيبته من تلك الأجيال المتلاحقة.

أما نصيحة «موسى» صديق والده، أحمد مكين، فتضفي روعة ومسحة حكمة على الفيلم تتكامل مع مشاهد كثيرة:

لقد عاش والدك لدعوته ..ولكن هذا لم ينسه حماية أمك وحمايتك فكن مثله.

تفاصيل دقيقة

التصوير مع براعة السيناريو وتدخل المخرج فيه جعل الفيلم مليئاً بتفاصيل صغيرة معبرة تمثل فسيفساء دالة لمشاهدته أكثر من مرة، من مثل اقتياد المساجين إلى السجن وأمامهم يلعب طفل بدراجة تبدو أصغر من حذاء الضابط، وأيضاً ارتكان «إكينجي» الأب على جدار قديم في انتظار حكم القاضي في قضيته، ولما ترد له كرامته وحقه ينهض!

أما النهاية وصورة «إسماعيل إكينجي»، الأب المُتوفى، وهو صغير يهرول نحو أمه وكلماته الرائعة المحفوظة في دفتر يومياته في إنه يفكر في الأتراك، وهو في سجنه المنفرد، إذ إن الأمر يتعدى كونه كاتباً عاش ليأكل وأسرته بقلمه إلى شرف مقاومة الظلم والاستبداد، وياله من شرف، لإنه لا يرضى أن يرى أهله معذبين محنيي الرأس، ولذلك فإن روحه ستظل تحرسهم مهما طال زمن الانقلابات.

أغنية النهاية عن المكتوب الذي تركه لزوجته لتقرأه في ليالي الجمعة، الإجازة في تركيا سبت وأحد، عن محبته لها ولصغاره أكثر من جميلة ..

عاب الفيلم السقوط في التسجيلية في آخر دقائقه، مشهد لقاء «أحمد بإليف»، ولقاء الأب بالأم في قطع متوازٍ يختصر الزمان والمكان، وإن لم يخل من مدلولات قوية، إلا إنه جعل الدراما على مستوى الشكل تكاد تتوقف.

موسيقى الفيلم التصويرية الأميل للكردية بشجنها جاءت موفقة، والمونتاج استبعد الكثير من المشاهد التي كانت ستزيد الفيلم ترهلاً، كما أن المكياج الخاص بالأم بدا مناسباً، نعمت أو سيرا توك دمير.

«حكايتنا» .. فيلم تركي سياسي اجتماعي صادق، يعبر عن تجربة واعدة لدولة مثل تركيا.

المصدر