مقالة سمو الأمير وتعزيز الصور النمطية عنا

قرأت مقال في صحيفة يو إس تودي الأمريكية لسمو سفيرنا في واشنطن الأمير عبدالله آل سعود بعنوان “المملكة في التحولات”. وكانت هنالك نقاط إيجابية في المقال وأخرى سلبية. 

أول الإيجابيات كان اعتماد أسلوب مخاطبة الرأي العام الأمريكي بشكل مباشر، وهذا توجه رائع جدا. ويبدو أنها ظاهرة لدى سفرائنا في المنطقة « أ » (الدول ذات الأهمية القصوى). لم يكن هذا التوجه موجودا قبل سنين قليلة، إذ كان الإهتمام منصبا على حملات العلاقات العامة واستقطاب الكتاب المؤثرين.

ثاني الإيجابيات هو الوضوح واستخدام لغة مباشرة وعصرية، ومختصرة. وهذا أيضا لم يكن موجودا من قبل. كانت التعابير العامة و « الخطاب السعودي » طاغيا على تواصل مسؤولينا مع الرأي العام العالمي. فكان المسؤولون والإعلاميون السعوديون على السواء يخاطبون الرأي العام العالمي كما لو كانوا يخاطبون الرأي العام السعودي. وأتذكر أثناء دراستي في الولايات المتحدة بأن تلك اللغة العامة كانت تتسبب في ردات فعل عكسية لدى زملائي وأصدقائي الأمريكيين. كان يتحدث إلي زملائي في الجامعة عن ما كانوا يرونه « إجابات واهية » لمسؤولينا حينما يحاولون الرد على استفسارات الصحافة الغربية. وكنت إلى فترة قريبة أسمع الشيئ ذاته هنا في فرنسا، سواءا من الوسط الأكاديمي أو من أصدقائي غير الأكاديميين. 

ما أراه في مقالات سفيرنا في لندن أو الإستعدادات الحثيثة لطاقم سفارتنا الجديد هنا في فرنسا أو في مقالة سفيرنا في واشنطن، هي مؤشرات على نمط جديد وأتمنى له الإستمرار.

ثالث الإيجابيات في المقال، وهذا يُعد بالنسبة لي شيئا ذي أهمية قصوى، هو الحديث عن المشاركة السياسية والديموقراطية والحاجة لتطوير المجتمع المدني. فحديث الأمير عبدالله عن هذه المسائل بوصفها حاجة هو أمر جديد، لا أعلم له سابقة إلا حديث الملك فيصل في منتصف الأربعينات ميلادية، حين كان نائبا للملك عبدالعزيز في الحجاز ورئيسا لمجلسي الشورى والوكلاء (نواة مجلس الوزراء) ووزيرا للخارجية، أثناء جولة له في الولايات المتحدة. 

لكن هنالك سلبيات في المقال أيضا. وما استدعاني للكتابة عنها هو شعوري بأن هذا السلبيات تتكرر في أكثر من مكان وأكثر من مناسبة، ومن قبل أكثر من مسؤول. 

السلبية الأولى، والتي تكاد أن تكون ظاهرة، هي أن يتم القول للرأي العام العالمي بشكل منهجي ومنظم بأن السعودية عمرها ٨٤ سنة وبأننا كنا نركب الجمال ونسكن الخيام، قبل التوحيد. هذا القول يهدف إلى مقارنة الكثبان الرملية التي كانت قبل ٨٤ سنة بناطحات السحاب التي حلت محلها في الرياض، حتى يُقال: « ما أعظم الإنجاز! ». وهذه مسألة في غاية الخطورة، لأنها تخاطب رأيا عاما عالميا مثقلا بصور نمطية، مفادها أننا أناس بلا تاريخ وبلا حضارة، وبأننا إلى عهد قريب كنا حفاة عراة نهيم على وجوهنا في الأرض، بين الكثبان الرملية. 

ولا أفهم كيف لم يتنبه لها المستشارون الإعلاميون وخبراء العلوم السياسية اللذين يعملون في طواقم سفاراتنا في الخارج. في كل مؤتمر أو مناسبة علمية أو محفل ثقافي يواجهنا الأوروبيون بتعليقات تقارن بين إيرانٍ ذات عراقة، وسعوديةٍ بلا تاريخ. ويستخدمها الأوربيون ليقولوا لنا كلاما يوحي بأنهم يعترفون بشرعية الطموحات التوسعية الإيرانية، وبأن الشعوب « التي لا تمتلك تاريخا » عليها أن تكون سعيدة بأن تعيش في كنف إيران. وقول سمو السفير بأننا كنا نعيش في صحاري قاحلة يعزز هذه الصور النمطية الخاطئة. 

وهو أبعد ما يكون عن الواقع في قوله هذا. ولدي قائمة طويلة من الكتب والرسائل العلمية التي تثبت حجم التطور الذي تمتع به إنسان هذه الأرض من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب في الماضي. بالإضافة، يجب أن نتذكر أن الظروف المعيشية للناس في العالم الغربي كانت مشابهة لما كنا عليه، في نفس ذلك الوقت، أي قبل ٨٤ عام. 

إن من يطلع على كتاب (إقامة في رحاب شريف مكة) للرحالة الفرنسي شارل ديدييه ليُصاب بالذهول من وصفه الدقيق للجغرافيا الإجتماعية لمدن الحجاز، التي زارها في عام ١٨٥٤، والطرز المعمارية والنوافذ الخشبية ذات الألوان الزاهية، والشوارع النظيفة، وحال الموانئ الآمنة والمزدهرة، وتطور الأسواق وثراء الحياة الفكرية والثقافية في الحجاز. إن نادي جدة الأدبي الذي كتب عنه أمين الريحاني في ملوك العرب، في مطلع القرن العشرين، لعلامة بارزة على التقدم. بل إن البنية الإدارية للدولة السعودية الثالثة اتخذت من المؤسسات الإدارية الحجازية نواة لها. 

فهل كان يمكن لمن كانوا يهيمون على وجوههم بين الكثبان الرملية أن يشكلوا نواة ونموذجا للإدارة؟

كما أن من يقرأ كتاب « تاريخ المخلاف السليماني » للأديب الراحل محمد العقيلي ليشعر بدهشة غامرة لمستوى الرقي والتطور الذي وصلته مناطق جنوب الوطن الغالي. الأدب والفكر والرقي الإنساني، كما تطور البنيان والعمران والخدمات! ومنطقة الأحساء الحبيبة كان بها محاكم متنقلة بعد إصلاحات حاكم بغداد العثماني مدحت باشا في منتصف القرن التاسع عشر. كما كانت طرق جباية الضرائب والعناية بالموانئ ومجالس الإيلات والنواحي (حسب اللغة البيروقراطية العثمانية) تدل على حجم التطور والتقدم، قانويا وإداريا وعلى مستوى الثقافة السياسية. ولقد كانت تلك المجالس تتكون من أعضاء منتخبين من قبل السكان وآخرين معينين. ومجالس الدرس في مسجد المصطفى، والتي كانت تؤمها وتحج إليها نخبة العالمين العربي والإسلامي، يأتون من كل فج عميق، لأعظم دليل على حجم رقي وتطور إنسان هذه الأرض. 

ولولا ضيق المساحة لفصلت في جوانب الرقي الثقافي والأدبي والحضاري للإنسان العظيم، في هذه الأرض العظيمة. 

لكن سمو السفير وقع في نفس المأزق الذي وقع فيه مؤرخي حركة التدوين في القرن الثاني والثالث هجرية. فمن أجل أن يعظموا مكانة الإسلام، وهو غني عن هذا، بالغوا في تصغير وتحقير فترة الجاهلية مما تسرب إلى الأدب والفكر بشكل قُتل فيه الإنسان الجاهلي مجازيا. بينما حديث « إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق » يعني فلسفيا بأن بنيان الأخلاق شارف على الكمال، وبأن مجيئ البعثة كان لإكمال الطوبة الأخيرة في هذا القصر العربي الشامخ. فبأي حق وأدوا الإنسان الجاهلي؟ أتذكر هذا وأنا أنظر لحجم التصغير لما سبق فترة التوحيد، من أجل تعظيم حالة التقدم التي نتمتع بها حاليا.  

أما فيما يتعلق بأحوال العالم الغربي في نفس الفترة فإنها تستحق وقفة على عجالة. كان الأمريكيون في مدينة ماديسون، عاصمة ولاية ويسكانسون، في الشمال، وفي فينكس، عاصمة أريزونا في الجنوب، وفي سيلم عاصمة أوريقون، في أقصى الغرب، يعيشون في ظروف مزرية. وكانت الغالبية العظمى تتنقل على الأقدام والبغال والخيول. وكانوا يسكنون في أعشاش متناثرة في حقول المزارع والبيوت الخشبية، في مناطق الـ (plantations). ومن يطلع على القصص القصيرة التي كتبتها الأديبة الأمريكية الراحلة ماري إلينور فريمان عن حياة المناطق القروية في الولايات المتحدة، سيرى بأن ظروف الإنسان الأمريكي في تلك الفترة كانت مقاربة لنا، أكثر مما نظن. أنصح بالإطلاع على كتاب نيلي لومبارد (Looking at Life Through American Literature).

كما أن الشيئ ذاته ينطبق على الأوروبيين أيضا. ففي فرنسا مثلا، كان وضع النظافة والصرف الصحي في حالة مزرية في منتصف القرن التاسع عشر، مما تسبب في انتشار وباء الكوليرا. وقد صدر في عام ١٨٥٠ نظام « الصرف الصحي للمساكن ‘غير النظيفة’ » (la loi du 13 avril 1850 sur l’assainissement des logements insalubres). وحتى بعد صدوره بقي تطبيقه شبه محدود على باريس، بينما الظروف فيما يعرف هنا بـ « فرنسا العميقة » كانت مزرية. روايات أدباء تلك الحقبة شاهد على فضاعة الأمر.

ثاني هذه السلبيات هو أن مقالة سمو الأمير غيبت الشعب السعودي، فكأنما أحالت كل فعل إلى المؤسسة الرسمية. وهذا قد يخاطب العقل الباطن للإنسان الغربي ليقول له بأن الشعب مهمش. ولهذا يجب أن نفهم كيف يفكر الإنسان الغربي وكيف تفكر المؤسسات الغربية، ثقافيا وسياسيا، لمحاولة التنبؤ بردود الفعل. 

بعض الدراسات التي تناولت خطاب الرئيس أوباما بعد وصوله للبيت الأبيض تشير إلى أن كل أفكاره تحيل إلى مبدأ عام هو أن أي تقدم حققته الولايات المتحدة كان مردها إنجاز وعبقرية الإنسان الأمريكي. ولذلك، وهذا حسب تحليلي، كان يصر على عبارة « yes we can » بشكل جماعي، مما يصور المجتمع الأمريكي وكأنه مجموعة مسافرين إلى مستقبل أفضل، على متن حافلة، وما أوباما سوى مسافر على قارعة الطريق، يرجوا منهم أن يتكرموا عليه بالتوقف والسماح له بصعود الحافلة والإنضمام لهم.   

أي فعل إعلامي أو سياسي نقوم به، ولا يشي بأن الشعب هم من يستقل الحافلة، سيقود حتما إلى نتائج عكسية وسلبية في مخيال الإنسان الغربي والمؤسسات الغربية على السواء، حتى وإن كان ظاهر المقال تمجيدا وتعظيما لحجم التطلعات والإنجازات السعودية. كم كنت أتمنى لو أن سمو السفير أكد على هذا.

ولنتذكر دائما: 

ولدت الأمة العربية في سوق عكاظ، وترعرعت في دار الندوة، وخرجت إلى العالم مع المعلقات. كما ولدت الأمة الإسلامية في مكة، وترعرعت في يثرب، وخرجت إلى العالم من سقيفة بني ساعدة. وخرج سلاطين دمشق وبناة بغداد وبيت حكمتها وأمراء قرطبة وغرناطة من أبطح مكة. ومعظم السلالات الملكية العربية ترجع بأصولها إلى ما بين مكة وسوق عكاظ، كما أن نخبة العالمين العربي والإسلامي الحالية يفاخرون بأنهم يرجعون بأصولهم إلى ترابنا الطاهر.

في الختام، كان المقال مبادرة جيدة ولكن هنالك الكثير من العمل الذي لابد من القيام به لنصل إلى الحضور الذي يليق بالإنسان العظيم، في هذه الأرض العظيمة، ذات الأمجاد التليدة والتاريخ العريق، والحاضر المزدهر والمستقبل المشرق.