العلاقات بين كوريا الشمالية ودول مجلس التعاون الخليجي

أوراسيا ريفيو – إيوان24

ثمة علاقة قصيرة نسبيًا ومعقدة إلى حد ما بين كوريا الشمالية ودول مجلس التعاون الخليجي. في فترة ما بعد الحرب الكورية، عندما كانت هناك منافسة دبلوماسية بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية لمعرفة أي دولة لديها سفارات في جميع أنحاء العالم، اتجهت بيونغ يانغ إلى الخليج العربي. وكانت المملكة العربية السعودية والممالك الأخرى حلفاء للولايات المتحدة ومُعادين للشيوعية. مغازلة كوريا الشمالية لحركة عدم الانحياز جعلتها أقرب إلى مصر واليمن، الأمر الذي عزز الاعتراف الدبلوماسي في عام 1963. كما أنَّ استقلال جنوب اليمن في عام 1967 وتوحيدها التدريجي بوصفها نظامًا ماركسيًا دفع البلاد أقرب إلى كوريا الشمالية. ولكن حتى مع حصول بيونغ يانغ على اعتراف عشرات الدول الأخرى في فترة السبعينات، ظلت كوريا الشمالية بمعزل عن غيرها من البلدان في جميع أنحاء الخليج العربي.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وفتور العلاقات مع الصين، بحثت كوريا الشمالية عن أصدقاء جدد لديهم ثروة كبيرة. ولذلك، بدأت إقامة علاقات رسمية مع دول مجلس التعاون الخليجي، في البداية مع سلطنة عمان في عام 1992، ومن ثمّ قطر في عام 1993، ثمّ الكويت والبحرين في عام 2001، ودولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2007. ولكن ليس هناك علاقة رسمية بين كوريا الشمالية والمملكة العربية السعودية حتى الآن.

وكما فعلت على الجبهة الدبلوماسية، كان لكوريا الجنوبية السبق في الخليج العربي، خاصة في مجال التجارة والاستثمار. خلال تصاعد العولمة للمرة الأولى في البلاد، كانت الشركات في كورية جنوبية تشارك في عدد من مشاريع تطوير البنية التحتية في دول مجلس التعاون الخليجي. وبحلول الوقت الذي بدأت فيه كوريا الشمالية التفاعل الاقتصادي مع دول الخليج على نحو جاد، كانت تعاني بالفعل من تراجع صناعي خطير، أعقبه مجاعة في منتصف التسعينات. ولأنَّ العملة الصعبة كانت نادرة في كوريا الشمالية، لم يكن لديها ما يكفي من الأموال لاستيراد الطاقة من الخليج – كما تواصل كوريا الجنوبية القيام به – واعتمدت بدلًا من ذلك على الصين في توفير احتياجاتها من الطاقة.

وعلى الرغم من عدم وجود علاقة في مجال الطاقة، لم تتفاعل كوريا الشمالية مع دول مجلس التعاون الخليجي في ثلاثة مجالات أخرى. لكنها حافظت على علاقات دبلوماسية رسمية مع خمس دول خليجية من خلال سفارتها في الكويت في المقام الأول. وترسل كوريا الشمالية العديد من مواطنيها للعمل في دول مجلس التعاون الخليجي. كما أنها متورطة، بشكل هامشيّ إلى حد ما، في الشؤون العسكرية في المنطقة.

العلاقات الدبلوماسية

كوريا الشمالية لديها سفارة في الكويت حيث يعمل ممثلها، سو تشانغ سيك، كسفير لدى البحرين، وقطر، والإمارات العربية المتحدة أيضًا. في حين يمثل المبعوث إلى مصر، باك تشون إيل، بلاده في عمان (على الرغم من أنه قد يكون على وشك الترحيل لضلوعه المزعوم في تهريب الأسلحة والتهرب من العقوبات الدولية).

وقد كانت العلاقات الكويت، رسميًا على الأقل، هي القناة الأكثر فعّالية بين كوريا الشمالية والخليج العربي. وفقًا لمقال نُشر في صحيفة “تايمز أوف كويت” عام 2013، قدّم الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية قروضًا لعدة مشاريع في البنية التحتية في كوريا الشمالية.

“في عام 2005، موّل الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية مشروع إصلاح ثلاث محطات لمعالجة المياه في مدينة بيونغ يانغ، من خلال إصلاح واستبدال مضخات وخطوط الأنابيب، فضلًا عن إصلاح قناة أونها ونهر بوتونج. وبعد ثلاث سنوات، قدّم الصندوق التمويل اللازم لتطوير وتوسيع محطات ضخ مياه الصرف الصحي في العاصمة. في العام الماضي، دخلت وزارة الأراضي وحماية البيئة في شراكة مع الصندوق لتوفير الأموال اللازمة لبناء طريق سريع جديد من بيونغ يانغ إلى بيونغ سونغ.”

ردّت كوريا الشمالية الجميل، ولكن في مجال الثقافة. كما هو الحال في بلدان أخرى، وأبرزها كمبوديا، نشر فنانو كوريا الشمالية مهاراتهم في نماذج بناء مجسمات الديوراما، وتصميم نماذج لمتحف في الكويت يصوّر “الفظائع التي اُرتكبت خلال غزو الكويت وآثار حرب الخليج.”

كانت هناك استراتيجية اقتصادية أخرى اتبعتها كوريا الشمالية لجذب العملة الصعبة وهي إنشاء مطاعم في الخارج تقدّم الطعام الكوري التقليدي. في عام 2010، تمّ افتتاح مطعم المعكرونة الباردة الشهيرة (النودل) في مجمع تجاري بمدينة دبي. ومع ذلك، معظم العمّال الكوريين الشماليين في دول مجلس التعاون الخليجي يعملون في صناعات البناء والتشييد.

العمالة

من أجل توفير العملة الصعبة، أرسلت كوريا الشمالية قوتها العاملة إلى بلدان أخرى على أساس العمل بموجب عقود لعدة سنوات. ومع إغلاق مجمع كايسونج الصناعي هذا العام، حيث يعمل أكثر من 50 ألف عامل في شركات تديرها كوريا الجنوبية في مصنع يقع شمال المنطقة المنزوعة السلاح، قد يكون من المتوقع أن ترسل بيونغ يانغ معظم هؤلاء العمّال إلى أجزاء مختلفة من العالم.

يعمل الآلاف من الكوريين الشماليين حاليًا في منطقة الخليج، أكثر من 3000 عامل في الكويت، وما يصل إلى 3000 في قطر، و1300 في دولة الإمارات العربية المتحدة، و300 في عمان. يعمل معظم هؤلاء العمّال في مجال البناء. في قطر، على سبيل المثال، انضموا إلى العمّال من جنوب آسيا وغيرهم في ظلّ استعداد البلاد لاستضافة لنهائيات كأس العالم 2022.

وكما فعلت مع كل العمّال المتعاقدين في جميع أنحاء العالم – بما في ذلك عمّال مجمّع كايسونج – تتخذ الحكومة الكورية الشمالية إجراءات لخفض كبير في أجور العاملين. ووفقًا لمصدر في أبو ظبي نقلت عنه صحيفة “تشوسون ايلبو”: “يحصل العامل في كوريا الشمالية على راتب يتراوح ما بين 300 دولار إلى 500 دولار أمريكي في الشهر، ولكن الحكومة تصادر 150 دولار أو ربما 250 دولار كدفعات للولاء، مما يؤدي إلى الكثير من الصراع.” وحتى إذا حصل العمّال على 10 بالمئة فقط من أجورهم، ينتج هؤلاء العمّال أكثر بكثير من أي وظيفة رسمية داخل كوريا الشمالية. وعلى الرغم من ساعات العمل الطويلة والعمل الصعب والخطير، يسعى العمّال في كوريا الشمالية إلى العمل في الخارج.

انخفاض أسعار الطاقة، والتراجع المصاحب في صناعة البناء والتشييد، كل هذه العوامل وضعت العديد من القيود على هذا النموذج من استغلال العمّال. على سبيل المثال، اختار بعض الكوريين الشماليين العاطلين عن العمل كسب المال بطريقة مختلفة: عن طريق التهريب. انتشرت عدة تقارير في عام 2014 عن الكوريين الشماليين المحتجزين بتهمة توزيع الخمور، وهي تُعد جريمة في الخليج العربي. “وقد شهدت إحدى التحقيقات التي أجرتها الشرطة الكويتية في نوفمبر عام 2008 تورط 10 عمّال من كوريا الشمالية في توزيع الخمور،” وفقًا لصحيفة ” DailyNK”.

وبسبب قلة فرص العمل وحاجة النظام الدائمة لمزيد من العملة الصعبة، تضغط حكومة كوريا الشمالية أيضًا على عمّالها الذين لا يزال لديهم وظائف. في مارس عام 2016، هرب اثنان من العمّال الكوريين الشماليين في قطر من ثكناتهم للعثور على ملجأ في مركز قريب للشرطة. واشتكوا من ظروف العمل الشاقة وعدم الحصول على رواتبهم. ولكنهم كانوا أيضًا عاطلين عن العمل، لذلك ليس من الواضح ما الذي يخشاه هؤلاء العمّال، هل ترحيلهم إلى كوريا الشمالية أو البقاء والعمل في وظائف صعبة وخطيرة؟

العلاقات العسكرية

تشتهر كوريا الشمالية بعلاقاتها العسكرية، خاصة في مبيعات الأسلحة إلى مختلف دول العالم. لقد كان الشرق الأوسط مصدرًا رئيسيًا للواردات ومقصدًا رئيسيًا للصادرات. في الماضي، باعت كوريا الشمالية الصواريخ إلى إيران، مصر، وسوريا، وحصلت على التكنولوجيا من باكستان لتوسيع قدرات تخصيب اليورانيوم. وشمل دول الخليج التي اشترت الصواريخ الباليستية الكورية الشمالية كل من اليمن (في عام 2000) والإمارات (في أواخر التسعينات). لكنَّ العقوبات الدولية أدت إلى تراجع كبير في هذه الشبكة من العلاقات العسكرية.

خلال الحرب الحالية التي تقوم بها المملكة العربية السعودية وحلفاؤها في اليمن، ظهرت أدلة على وجود صواريخ سكود من كوريا الشمالية التي يستخدمها المتمردون الحوثيون. هذه الصواريخ ليست جزءًا من شحنات جديدة، بل تعود إلى مشتريات سابقة من قِبل الحكومة اليمنية. قال جوزيف بيرموديز لصحيفة “فايس نيوز”: “في عام 2002، اشترى اليمن حوالي 20 صاروخ سكود من كوريا الشمالية. لذلك فمن المرجح أنَّ صواريخ سكود التي تُستخدم في الصراع الآن جاءت من كوريا الشمالية في الأصل.”

وهناك المسألة النووية. في مقال نشره موقع “ناشيونال إنترست”، أشار زاكاري كيك إلى أنَّ المملكة العربية السعودية، ردًا على برنامج إيران النووي، قد تحصل على قنبلة نووية من كوريا الشمالية. حُجته تتلخص في التالي: كوريا الشمالية بحاجة إلى راعي ثري ليحل محل الصين المتناقضة على نحو متزايد، والمملكة العربية السعودية لديها الكثير من المال، وبالتالي قد يتوصل البلدان إلى تسوية مؤقتة.

ولكن من المستحيل حدوث ذلك لأنَّ كوريا الشمالية والمملكة العربية السعودية ليس بينهما أي توافق. على عكس إيران أو سوريا، المملكة العربية السعودية هي حليف وثيق للولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن كوريا الشمالية كانت جشعة في معاملاتها الاقتصادية في الماضي، إلّا أنها لم تتجاوز الخط الأحمر لبيع المواد النووية. في أي حال، طالما أنَّ الاتفاق النووي الإيراني مستمر حتى الآن، ستبقى المملكة العربية السعودية خارج النادي النووي وتحافظ على المسافة التي تفصلها عن كوريا الشمالية.

إنَّ مستقبل العلاقات بين كوريا الشمالية ودول مجلس التعاون الخليجي من المرجح أن يسير في سياق مماثل، في شكل علاقات رسمية وثيقة، مع تعاون عسكري محدود، وشراكة اقتصادية قائمة إلى حد كبير على توفير كوريا الشمالية للعمّالة الماهرة ذات الأجور المنخفضة.

المصدر