الرفق والإحسان والتحضر

قرأت تغريدة على تطبيق تويتر بالأمس تتحدث عن عمال النظافة في عز الظهيرة وتحت لهيب الشمس الحارقة. وأرفق صاحب التغريدة صورة مؤلمة جدا لمجموعة عمال جلسوا في ظل لوحة من اللوحات الموجودة على قارعة خط سريع يربط بين مدينتين. وكتب المغرد تحتها: “اللهم لاترحم من لا يرحم هؤلاء”.

مماذا خلقت قلوب من رموا بهم على قارعة الطريق وتركوهم يجهدون تحت شمس الجزيرة العربية التي لا ترحم؟

ثم تذكرت غلظة وقساوة بعض الذين يستعملون العمال في بعض حوائجهم، ثم لا يرحمونهم ويعرضونهم للمشقة في بيئتنا القاسية. فليتنا نجتهد في تذكير بعضنا البعض بأننا بشر، حتى ولو اختلفت ألواننا وجنسياتنا ودياناتنا.

لا يكفي ان نتذكر أن في كل كبد رطبة اجر في رمضان فقط، بل يجب ان نتذكر هذا في كل يوم وكل شهر، طوال العام! ولا يكفي ان نصوم عن اذى الاخرين في رمضان فقط، بل يجب ان نصوم عن الأذى، العام كله. والعنصرية والتفرقة والطبقية والطائفية هي من اعنف انواع الأذى!

ولقد وقعت بعد التغريدة المذكورة أعلاه على تغريدة أخرى لشخص عنصري، ويقدم نفسه بفخر على انه طائفي، يتهجم فيها ويتندر على جنسية من آسيا ويتحدث عن “كيف يجب التعامل مع من يحملها”.

استثار هذا الشخص اشمئزازي.

ما اقساك واغلظك يا هذا! ألا يكفيك أنك تحمل العنصرية في قلبك تجاه ابناء المناطق المجاورة، الذين هم من بلدك، وتجاه تلك الطائفة أو تلك، والتي هي من دينك، وتجاه هذه الجنسية أو تلك؟ ألم تكتفي بهذا، حتى تتعامل مع هؤلاء الوافدين الذين قطعوا البحار والقارات ليعملوا لديك بأجر زهيد بخس، ثم تقوم باحتجاز جوازات سفرهم، (وهذا وجه من أوجه العبودية المقنّعة)، وتحشرهم كالأنعام في غرفة وضيعة، ويأكلون من فضلة طعامك وبقاياه؟

لولا القدر وأنك وُلدت في بلد ثري، وفي أسرة هيئت لها الظروف والصدف أن تكون ميسورة الحال، لكنت انت في مكان الوافد الذي تتهجم عليه.

تذكرت موقفا حصل لي قبل عدة أعوام في اسبانيا. فقد دخلت مطعما للوجبات الخفيفة وبرفقتي عدة اصدقاء. طلبنا شيئا نأكله، فقدم علينا شخص من بلد آسيوي يعمل في ذلك المطعم وحدثني بلغة عربية مكسرة تشبه تلك التي يتحدثها الوافدون في بلدنا، وذلك بعد أن تعرف على كوننا من السعودية. وأخذ يحدثني عن تجربته في بلدنا وعن الإهانات التي تعرض لها. قال لي انه يكسب في اسبانيا اقل مما كان يكسب في الرياض، لكنه حر يملك قرار نفسه، وكرامته محفوظة والقوانين صارمة والجمعيات والمؤسسات التي تدافع عن حقوق الانسان كثيرة ونشطة. ليس مكلفا، كما قال لي، ان يطلب منه شخص شيئا بأدب وابتسامة. ثم قال بأنه لم ينتبه لهذه الأمور حتى هيئت له الظروف أن يقدم الى اسبانيا فرأى البون الشاسع.

بقي هذا الموقف في ذهني لسنين، اتذكره واتفكر فيه. وأتسائل: كيف يرى الوافدون تعاملنا معهم؟ ماهو فهمهم لتصوراتنا عن العدل والحقوق والكرامة والانسانية؟ وماهو الكلام اللذي يقولونه لمن يسألهم في بلدانهم عنا وعن ثقافتنا وعن انظمتنا وقوانيننا؟

يجب ان يكون التعامل بإحسان أمرا اساسيا بين الناس كلهم. وليس من فضل الشخص ان يكون مؤدبا، بل هذا هو اقل الواجب. وعلامة انسانية الشخص ان يرى ان لديه مجالا كبير لأن يكون أكثر تسامحا وأكثر رفقا وأكثر ادبا واكثر رحمة. فواقع الامر هو اننا نظل مقصرين في انسانيتنا مهما فعلنا، لكن عزائنا اننا نجتهد في كل مرة وفي كل لحظة ان نرتقي الى مراتب الانسانية العلى.

وإنه من اقبح الافعال ان يرائي الشخص بإحسانه لإنسان آخر. فالصمت هنا من شيم العرب ولا داعي للتبجح بصور “المحسنين” وتداولها على مواقع التواصل الاجتماعي. يأتي شخص نكرة لم يفعل شيئا لهذا البلد العظيم ولا لأهله العظماء، ولا للذين قدموا من الخارج ليساعدوننا في بناء بلدنا وتطبيب مرضانا وإصلاح مساكننا وسياراتنا والقيام على شؤون مسنينا. ويقدم نفسه على أنه سيد الزمان والمكان، وصاحب الأمجاد الخالدة، عبر صورة سيلفي التقطها وهو يقدم قنينة ماء لعامل قام هذا النكرة باستيقافه على قارعة الطريق.

يجب ان نتعامل مع الاخرين كما نتعامل مع احب الناس الى قلوبنا. فنخشى عليهم مما نخشى منه على من نحب، ونتمنى لهم ما نتمنى لمن نحب.  فاذا كان لديك ولد أو أخ أو قريب حبيب، فاستحضر صورته. وفكر في أنه هو من يقوم بالعمل الذي يقوم به هذا العامل أو ذاك. ما لا ترضاه على الشخص الذي تُحبه، يجب ألا ترضاه على العامل.

المعاملة هي الفرق بين التخلف والرجعية من جهة والرقي والتحضر من جهة. فلنكن متسامحين ومحسنين كي نتحضر!