ماذا يريد مجتهد؟

ما تقوم به بعض حسابات المعارضين للدولة السعودية على مواقع التواصل الاجتماعي هو شيئ مثير للاشمئزاز. يفرحون بأي خسارة نُمنى بها ويثبطون من عزائم أحفاد عمرو بن كلثوم وملاعب الأسنة وعبدالله بن جدعان وحمزة بن عبدالمطلب المرابطين على حدنا الجنوبي، والذين يُهدفون صدورهم لرماح عامل طهران في اليمن (الحوثي)، لكي يبقى العلم خفاقا، وتبقى الدار آمنة، والمصالح الإستراتيجية محمية.

ولست هنا أدعو لقمع الإختلاف أو كبت الآراء المختلفة والمتعددة، أو التقليل من الدور الأساسي والحيوي للنقد. ولكنني اتسائل: ماهو الفرق بين نقد مضاوي الرشيد في لندن، ونقد علي الأحمد في واشنطن، ونقد مجتهد (سعد الفقيه) في لندن؟

كلهم ينتقدون السعودية. ولكن هل بينهم فرق؟

بالنسبة لي، هنالك فرق شاسع بين نوعين من النقد: نوع مبني على معطيات منهجية وقريبة جدا من الموضوعية، وتحاول أن تكبت التحيز عبر وضوح المنهج للناقد والمتلقي على السواء، فيعلم القارئ بعد ذلك ماهي حدود النقد الذي تم تقديمه وماهي الإشكاليات التي يمكن أن تعتريه. وهذا النوع من النقد هو الذي، حسب رأيي، تقدمه مضاوي الرشيد. لكن هنالك نقد يهدف لشئ واحد، وبأي ثمن ومهما كانت النتائج، وهو تحطيم الكيان المنقود وهزيمته النفسية. وهذا النوع من النقد هو الذي يقدمه الفقيه مجتهد والأحمد. فهما يفتقدان، في رأيي، إلى المنهجية.

كل إنسان متحيز ولديه مواقفه التي انتجتها بيئته وتجاربه. والمنهجية وحدها هي من يقوّم هذا الأمر. ليس عبر إزالة التحيز بشكل كامل، ولكن عبر القيام بشيئين: ١- تهذيب التحيز وتخفيف آثاره، و ٢- لفت انتباه القارئ لحدود الموقف الذي يقدمه الناقد. لا يمكن إزالة التحيز، لكن من المصداقية والموضوعية أن يتم لفت انتباه القارئ بشكل منظم لوجود التحيز، ولابد من السعي بشكل منهجي لتخفيف آثار التحيز. لكن التحيز يبقى حاضرا، وهو هنا يسمى بالتحيز البنيوي، والذي لايمكن ازالته بشكل نهائي.

وبناءا على ما سبق، يسعى مجتهد إلى هزيمة الكيان السعودي نفسيا، بأي ثمن وبغض النظر عن النتائج. لايستطيع مجتهد أن يتحدث عن أي شئ ايجابي في السعودية، لأن هدفه هو تحطيم السعودية.

كما أنه يهدف إلى الإبقاء على مصداقيته، عبر تتبع الأخبار في الصحف الأجنبية وتلخيص ماورد فيها (بعد اضافة البهارات، بالتأكيد). وهو لا يستطيع ان يقدم شيئا أصيلا منه، ولا أي شيئ قطعي وقابل للمسائلة والتدقيق بعد حين، وإنما يجعل لنفسه ولبهاراته المضافة مخرج. فيختم تنبؤاته (والتي لم يصح منها شئ، باستثناء ترجماته عن الصحف الأجنبية التي يقدمها دائما على أنها معلومات المتعاونين معه من أماكن صنع القرار السعودي والعربي والعالمي) بكلمات تسمح له دائما بالرجوع والتأويل والتسويف.

بالإظافة، تحليلات مجتهد تشبه سوالف العصرية: “قال فلان، ورد علان، وقاله طق براسك في الجدر” … الخ. ينقصه فقط صحن “مكسرات” وقهوة بايتة، ليصبح سولفجي عصرية رسمي. وهو يمتطي ظهر الصحف الأجنبية التي قرأ تقاريرها وترجمها، ليستشهد بها على أنها تؤكد تحليلاته ومواقفه. وفي رأيي، تشبه تحليلات مجتهد تحليلات أولائك الذين أدمنوا على متابعة المصاراعات الحرة في برنامج الإتجاه المعاكس ويظنون بعد كل حلقة أنهم تمكنوا من فهم مراكز القوة في النظام العالمي والعوامل التي تحرك الإقتصاد الدولي، ومواقف اللاعبين وأهدافهم الخفية.

واللوم ليس على مجتهد أو أشباهه، بل على مسؤولينا الذين “يقطرون علينا المعلومات بالقطارة” حتى غدا المتعطشون يتهافتون على العطارين في تويتر، بحثا عن زيت مقري يداوي كل شئ.

ثم إن جزء من اللوم يقع على ضعف تنمية الثقافة السياسية لدى المجتمع السعودي.

كيف لمثل هؤلاء العطارين في مواقع التواصل الإجتماعي أن تكون لهم هذه الشعبية؟

وهذا لايقتصر على الثقافة السياسية، بل يطال حقول أخرى في الفضاء الإجتماعي. ولعلي أضرب مثلا يليق بعطاري تويتر. عندما تكون لشخص مثال شعبان عبدالرحيم كل هذه الشعبية، يجب ان نتوقف ونتسائل: إلى أي مستوى انحدرت ذائقة الجمهور؟ كيف يقنعون من عيون الأدب العربي، بأضغاث من قبيل “بحب عمرو موسى” ثم يقنعون بعد طلال مداح وعبدالوهاب بصوت مثل شعبان عبدالرحيم؟ وبنفس المنطق، يجب أن نتوقف ونتسائل: كيف لعطاري تويتر أن تكون لهم كل هذه الشعبية؟ وكما كان انحدار مستوى الفن سببا في بروز ظاهرة شعبان عبدالرحيم، فإن غياب الشفافية والمعلومات من مصادرها وضعف الثقافة السياسية ساهمت بشكل أو بآخر في بروز دكاكين عطارة على مواقع التواصل الإجتماعي.

وربما كان لهذه الضارة نفع، في أن يجرب الناس ويختبروا ثم تتبين لهم عدم صحة ادعاءات شعبُلّة تويتر: مجتهد.