ماذا تعني عبارة “دخيل على ثقافتنا”؟

يتزايد الجدل العمومي لدينا بوتيرة لا يمكن التنبؤ بها، ولا حتى فهم اسبابها. فتارة تجد موضوعا تافها جدا يخرج من تحت ركام مئات المواضيع الجوهرية والمصيرية، ويحتل هذا الموضوع التافه مساحة كبيرة من طاقاتنا ونخبنا وسجالاتنا.

لا أعترض على هذا.

من حق الجميع ان يطرح ما شاء من مواضيع، وإن حصل واحتل موضوعه مكانا رئيسيا فهذا أمر مشروع. وليس من حق أي إنسان أن يقول “الوقت حساس جدا، ونحن نمر بقضايا مصيرية، ولا يجب أن يُطرح هذا الموضوع الآن”.

وسبب قولي هذا هو أنه من السهولة بمكان أن يتلاعب المتنفذون بالتعاريف والأمزجة لتحتل مواضيعهم الصدارة، تحت مبرر عديدة مثل حساسية الظروف وترتيب الأولويات، بل إن تلاعبهم قد يصل إلى درجة قمع مواضيع خصومهم بشدة. بمعنى آخر، “حساسية اللحظة” هو صوط مسلت على ظهور البشر! عقوبات وتجريم وهجوم، كل هذا تحت شعار “المرحلة حساسة”.

ولهذا، فمن الضروري جدا أن يكون للجميع الحق في طرح ما شاؤا من مواضيع، لكي يعبروا عن أنفسهم أولا، ولكي يكسروا احتكار المتنفذين. لكن في الجهة المقابلة، من حقي أن أعبر عن رأيي وأقول: هذا موضوع تافه! أو أن أقول: هذا موضوع يتلاعب من خلاله المتنفذون بالرأي العام. فكون الجميع يمتلك حق التعبير يعني أن تقول رأيك وأن أقول لك بأن رأيك خاطيئ.

بنفس المنطق، يمكن أن ننظر لعبارة “هذه دخيلة على ثقافتنا”.

معنى هذه المقولة، حسب رأيي، هو أن هنالك قائمة أشياء تعرف ثقافتنا تعريفا مانعا جامعا. وأنه من السهولة بمكان تحديد ماهو دخيل عليها.

وهذا خطأ على مستويات متعددة.

أولا، أن العنصر المحوري لأي ثقافة هو الإنسان. لا توجد ثقافة بلا إنسان. ولهذا ففعل الإنسان هو العنصر الأساسي لتعريف الثقافة.  وفعل الإنسان هو حدث مستمر، مما يعني بأن تحول الثقافة (تبعا لفعل الإنسان المتحول) هو أمر رئيسي.

ثاني الأمور هو أن تحول شيئ ما إلى جزء من الثقافة هو مسألة استحسان وتراكم. ففي لحظة تاريخية ما، بادر إنسان ما إلى فعل شيئ ما، وتم استحسان هذا الفعل. ثم مع مرور السنين، تراكمت الحالات التي تم فيها ترديد هذا الفعل من قبل أناس آخرين، حتى أصبح هنالك تراكم مهول، صار من خلاله هذا الفعل جزءا مهما من الثقافة.  وهذا يعني أن فعل الإنسان الذي قد يبدو اليوم غريبا، قد يصبح القاعدة غدا.

وثالث هذه الأمور هو أن هذا الإنسان هو على قدم المساواة مع من سبقه. فكيف يحق لمن سبقه أن يفعل وأن يُراكم، بينما لا يحق للاحقين فعل ذلك. ولماذا يصبح واجبا على الآخرين أن ينصاعوا، وكل ماعليهم فعله هو الاتباع؟

أين العدل؟ 

ثم إن الثقافة هي عامل متغير ومتحول بشكل مستمر. ولذلك، من المشروع أن يكون هنالك أشياء دخيله! الأشياء الدخيلة هي جزء أصيل من مفهوم الثقافة.

لكن قولي بهذا لا يستقيم وحيدا. بل يجب علي أن أقرنه بقول آخر يسنده ويعضده. لكن قولي ينطلق من السؤال التالي: إذا كان كل فعل مشروع، فأين الحد الفاصل الذي يحدد شخصية الامة وهويتها والذي يفرق بسن إبداع وذاتية الأمة وبين التبعية والإنهزام؟

من وجهة نظري، لا يوجد إجابة واضحة ودقيقة ومقبولة من كل الاطراف. الكل يدعي ان لديه اجابة، ولكن الكل مخطئ في هذا الإداعاء. كل ما نملك هو محاولات، تصبح مع الزمان والتراجمات إجابات. ولكن، في تصوري أن هنالك كلمتان سحريتان في هذا الموضوع: البيئة والإنسان. ليس السائد، وليس موقف المتغلب، وإنما البيئة والإنسان. الحجر والنفط، كلاهما من بيئتنا، لكن العصر الحجري انتهى ولا نزال نعيش عصر النفط.  وعنصر التحول الرئيسي في الانتقال من هذا العصر إلى ذاك هو الإنسان: فهمه، إنجازاته التقنية، احتياجاته، رغباته … الخ.

من حق الإنسان أن يجدد ويقبل ويرفض، ومن حق بيئته عليه أن يكون لها دور رئيسي. لايمنع هذا أبدا من التواصل مع إنسان البيئة الأخرى، ولكن أنا أؤمن إيمان عميق بأنه لايمكن للإنسان أن يبدع الا اذا اتخذ موقفا واضحا من بيئته وإنسانيته، سواءا بالسلب أو الإيجاب. الموقف ضروري.

فالإبداع قبل كل شيئ هو سؤال هوية.

لكن من يحرسون مصالحهم من المتنفذين قد دلسوا على الناس بعبارة “دخيل على ثقافتنا” ليس ليحموا الإنسان أو بيئة الإنسان، وإنما لتبقى مصالحهم  هي العليا.

وأنا أشعر بالإمتنان لوجود السخرية كعمل منظم لكسر القداسة والتي يضفيها المتنفذون على مصالحهم وسلطتهم. حتى أصبحت عبارة “دخيل على ثقافتنا” دمية في أيدي أصحاب النفوذ.