تركي الفيصل والمعارضة الإيرانية في باريس

حدث بارز هو ذلك الذي تم بالأمس في عاصمة النور، باريس. التئمت قيادات المعارضة الإيرانية لبحث انتهاكات نظام ولاية الفقيه في طهران، ضد الأقليات الدينية والعرقية وهمينة رجال الدين على المشهد السياسي. جماعات المعارضة هذه تطالب بإقامة نظام علماني، قائم على المساواة والعدالة الإجتماعية وإحترام الحريات المدنية وحقوق الأقليات. شعارهم كان عربي بامتياز: « الشعب يريد إسقاط النظام ». ولهذا مدلولات رمزية كبرى، تتعلق بالربيع العربي الذي كشف عورات حزب الله وبشار الأسد وميليشيات طهران الإرهابية.

والأبرز في هذا الحدث هو مشاركة الأمير تركي الفيصل، الرئيس السابق للإستخبارات العامة وسفيرنا في لندن وواشنطن لفترة من الزمن. الأمير تركي الفيصل دُعي بصفته رئيسا لمركز الملك فيصل للدراسات والبحوث، لكن هنالك تصور عام لدينا نحن المختصين في الشأن السعودي مفاده أن الأمير تركي الفيصل هو سفير غير رسمي للحكومة السعودية. هذا التصور يستند على نقطتين. أولا هنالك عامل  حضور الأمير المكثف في كل المحافل الدولية التي تتعلق بالعلاقات الدولية وأزمات الشرق الأوسط. ثانيا، هنالك عامل الحضور المكثف للأمير تركي الفيصل في استقبالات الملك سلمان لوفود الدول الصديقة، فهو تقريبا أكثر الأمراء الذين لا يتقلدون أي مناصب، حضورا في استقبالات الملك سلمان. وهذا له مدلولات عميقة من حيث تواجد الأمير تركي في المطبخ السياسي للرياض. 

وعلى أية حال، وسواءا كان الأمير تركي فاعلا نشطا في تشكيل السياسة الخارجية أم لا، فإن حضوره في مؤتمر المعارضة الإيرانية وما أدلى به من تصريحات هي لافتة للنظر، على مستويات عدة. أولا، الأمير تركي الفيصل نادى بإسقاط النظام في طهران، وهذا يمثل تحولا خطيرا في الصراع بين العرب وإيران. وهو مؤشر للملالي في طهران بأن السعودية مستعدة للذهاب إلى آخر الطريق في دفاعها عن العالم العربي وكرامته وسيادته. وكما يصرح جنرالات ومسؤلوا الحكومة الإيرانية ليل نهار باستهدافهم اسقاط البحرين أو الكويت، فإن الرياض الآن تتحدث عن اسقاط نظام طهران. 

العين بالعين!

يجب أن يقتنع ملالي طهران بأن هنالك نزعة جنونية في العالم العربي تجعل العرب قادرين على فعل أي شيئ! يجب أن تقتنع طهران بأنه لايمكن التنبؤ بتصرفات الرياض. وهذه هي استراتيجية حافة الهاوية التي تبناها القائد السوفييتي خروتشوف في منتصف الخمسينيات إبان الحرب الباردة مع الغرب.

ثانيا، ستبدو المعارضة الإيرانية الآن وكأنها قريبة من الرياض، مما يقلل من مساحة استقلاليتها وبالتالي تصبح مصداقيتها أمام الرأي العام الإيراني في موضع تساؤل. ولكن لا بأس في ذلك، لأن أطياف المعارضات الإيرانية متعددة وقواعدها الشعبية واسعة في داخل وخارج إيران، ولا ضير في أن تكون إحدى مجموعات المعارضة هذه قريبة من الرياض. 

لكن هنالك مفارقة كبيرة، وهذا ثالثا، تتمثل في كون الأمير تركي ينتمي إلى أسرة ملكية لها تحالف مع المؤسسة الدينية، ومع ذلك فهو يحضر مؤتمر يطالب بالحريات المدنية والعلمانية وإلغاء هيمنة رجال الدين على المشهد السياسي. من هنا بإمكان أي شخص قريب من الحكومة الإيرانية أن يطالب الأمير تركي الفيصل بتطبيق ما يدعو له في هذا المؤتمر في الرياض. في رأيي أن تطبيق هذه الشعارات أو عدم تطبيقها لا يحتل المركز الأول من حيث الأهمية. بل وضع الضغوط على حكومة الملالي هو الأولوية، أولا، ثم إرسال رسالة للرأي العام الإيراني مفادها بأن ما تقوم به حكومتكم من مطالبات وسعي حثيث لإسقاط الأنظمة هو أمر قابل للحدوث لديكم. فإذا رفضتوا مطالبة الأمير تركي الفيصل، فمن باب أولى أن تكفوا عن دعم أعمال طهران التخريبية في المنامة أو في العبدلي في الكويت.

من هذا المنطلق، لا أتفق (من وجهة نظر سياسية بحتة)، مع القائلين بأن بيتنا من زجاج ومن باب أولى عدم رمي طهران بالحجر. أيا يكن نوع المادة التي صُنع منها بيتنا، فهي ذات المادة التي صُنع منها بيت طهران. فإذا كانوا يسعون هم لخراب المنطقة، فلا أرى أي مبرر لأن يكونوا في مأمن من ذلك. يجب تذكيرهم بشكل منظم ودوري بأنهم ليسوا في مأمن مما يفعلون بجيرانهم!

لذلك، مشاركة الأمير تركي الفيصل ودفاعه عن العرب في المحافل الدولية، والتي من بينها هذا المؤتمر، هي مشاركة إيجابية وتستحق الدعم.