تقصير الهيئة العليا للسياحة والآثار ووزارة الخارجية السعوديتين

هنالك أوجه قصور يقوم بها بعض مسؤولينا، تقوم بتعزيز الصورة النمطية السائدة عنا، وهي: أننا قوم بلا تاريخ وبلا هوية وبلا حضارة. حفاة رعاة كنا نكاد أن نهلك بين الرمال، فأتى النفط فبنينا لأنفسنا بيوتا وأصبحنا نقتني الهواتف الذكية.

فقط!

وقد تناولت مثالا بعينه، للإستدلال على تعاملنا مع هذه الصورة النمطية، بما يعززها، في ردٍ لي على مقالة لسمو سفيرنا في واشنطن، الأمير عبدالله بن فيصل آل سعود، في مقالة عنونْتُها: (مقالة سمو الأمير وتعزيز الصور النمطية عنا). وها أنا اليوم أكتب عن الموضوع ذاته، ولكن من زاوية مختلفة تتعلق بقصورنا الذي لا يريد أن ينتهي.

بينما أنا منهمك بالبحث في دراسة أقوم بها عن السياسة الخارجية الإيرانية، وجدت كما هائلا من جدليات (arguments) التفخيم والتعظيم للشعب الإيراني والتاريخ الإيراني. فحتى أشد المعارضين عداوة لنظام الملالي في طهران، من الإيرانيين الذين شُردوا عن ديارهم وقُهروا عن حقوقهم وكرامتهم، يعملون بشكل واعي ومنظم، كما لو أنهم قد اتفقوا فيما بينهم، على تذكير القارئ المختص (الباحث في السياسة الخارجية الإيرانية) بشكل منهجي ودوري بأن كل مافي إيران يعود لآلاف السنين، وكل شيئ له أصل في إيران، وهي قبلة الأرض أول الزمان وآخره.

إذا كان هذا هو حال القراء المختصين، الذين يتكبدون عناء البحث والتقصي ويجالدون أمهات الكتب، فماذا يمكن أن يكون حال القراء العاديين، في مشارق الأرض ومغاربها؟

قمت بتجربة سريعة، لمحاولة استشفاف ما يمكن أن يطلع عليه القارئ غير المختص، شخص من هذا البلد أو ذاك، مثلا. فبدأت بالشيخ قوقل، نقطة البدأ للكثيرين. فلما فتحت صفحة إيران على ويكيبيديا، وجدت عملا منهجيا لتقديم إيران والمعلومات التي تتعلق بهذا البلد، يعمل وفق أطروحة واحدة: أن إيران بلد حضارة، ولم تنقطع عنه الحضارة، ولم ينقطع حبل حكم الفرس لأنفسهم، ولم تهتز الهوية الفارسية، منذ عام٧٥٠ قبل الميلاد وحتى الآن.

لو جلست للتدقيق في المعلومات المطروحة لاستثرت عشرات علامات الإستفهام حول معلومات غير موثقة، بل وهنالك معلومات خاطئة. لكن في النهاية، هذا ما سيطلع عليه القارئ العادي.

بالإضافة إلى ويكيبيديا، حجم الصفحات والمدونات والكتابات التي تتعلق بهذه الأطروحة مهول، ولا يمكن إلا أن يكون عملا منهجيا ومنظما، وضُعت له خطة وصرفت عليه الميزانيات.

في المقابل، قمت بالشيئ ذاته عن السعودية، فما وجدت إلا صفحة وحيدة هزيلة، عدمها كان أجمل وأكرم من وجودها.

من هنا أتسائل عن المسؤول الأول عن إهمال صورة البلد وعمقه الحضاري والثقافي والتاريخي. طرحت السؤوال، فما وجدت غير الحكومة مسؤولا. نعم، حكومة المملكة العربية السعودية هي المسؤولة عن إهمال هذا الجانب، لأنها اكتفت بتعظيم جانب واحد من تاريخنا، وهو تحالف الإمامين عام ١٧٤٤، فذهبا بالتعظيم ولم يبق لإنسان هذه البلاد، ولا الحضارات والثقافات التي مرت بهذه الأرض العظيمة، أي ذكر.

ثم إن هنالك مسؤلان عن هذا التقصير، يتفرعان عن المسؤول الأول: الهيئة العليا للسياحة والآثار ووزارة الخارجية (ممثلة في بعثاتنا الدبلوماسية في الخارج).

على الرغم من الميزانيات الهائلة، لم تكلف نفسها أي من هاتين الجهتين بوضع خطة وفريق عمل لبناء « دائرة مصادر المعلومات الأولى »، التي يلجأ إليها الإنسان العادي، غير المختص، والذي ليس لديه لا الوقت ولا الرغبة ولا التدريب المناسبة للبحث والتقصي في العمق الحضاري لبلادي العظيمة. الشخص العادي في اليابان، أو في فنزويلا، أو في النمسا، أو في أسبانيا، عندما يعود إلى منزله بعد نهار عمل شاق، ويفتح التلفاز بعد تناول وجبة العشاء، سيرى تقارير كثيرة تتناول السعودية. فلو افترضنا أنه رغب في التقصي، فإن أقصى ما يمكن أن يقوم به هذا الإنسان هو أن يفتح صفحة ويكيبيديا ليستزيد عن هذا البلد.

فعل البحث على موقع ويكيبيديا يقع ضمن ما أسميه بدائرة مصادر المعلومات الأولى. وهنالك أشياء أخرى على شاكلة ويكيبيديا.

هنا، يجب أن يتضح لنا ثلاثة أمور. الأول هو أننا سنكون دائما في العناوين الأولى لنشرات الأخبار، التي سيشاهدها أفراد يشبهون الشخص في المثال أعلاه. ولذلك فإن عشرات الألوف من الأفراد العاديين سيلجأون لدائرة المعلومات الأولى للتعرف على بلدنا. الثاني هو أن هذا الشخص، ومن هم في حكمه، لن يذهبون أبعد من دائرة مصادر المعلومات الأولى، للإستزاده. والثالث هو أن هؤلاء الألوف، عندما يستقون المعلومات المغلوطة والخاطئة والقاصرة عنا، فإنها ستبقى معهم الدهر كله، ولن يغيرها إلا معجزة تنزل من السماء.

لذلك، من الأهمية القصوى بمكان أن نخصص جزءا من اهتمامنا لدائرة مصادر المعلومات الأولى.

التقيت مؤخرا بأحد الباحثين الغربيين في مؤتمر علمي، فأخبرني عن قصة سفارة سعودية دفعت أكثر من أربعين ألف يورو لشركة إعلانات، رغبة في تحسين صورتنا في بلد أوروبي، فصممت كلاما وملصقا نشرا بعد ذلك في جريدة. هذ المبلغ يقابله حالات كُثر تقوم بها ممثلياتنا في الخارج، تجتمع كلها لتصبح مبلغا طائلا، لو تم استثماره في خطة وفريق عمل، لحققنا نتائجا عظيمة.

وفي الخاتمة، أتمنى على المغردين من أبناء وبنات بلدي، أن يدشنوا وسوما لنذكّر من خلالها بعضنا البعض، بــ#التاريخ_السياسي_لهذه_الأرض_العظيمة و#التاريخ_الحضاري_لهذه_الأرض_العظيمة و#التاريخ_الأدبي_لهذه_الأرض_العظيمة و#الفن_المعاصر_لهذه_الأرض_العظيمة . ليتهم يمتعونا بطرائف المعلومات والأخبار والصور، بماهو موثق وموثوق.

يجب أن نتذكر، أنه من أجل حاضر مزدهر ومستقر وآمن، ومستقبل مشرق واعد، يجب أن ننبذ العنصرية والطائفية والتمييز وكل ما يمكن أن يقود من قريب أو بعيد إلى التفرقة والكراهية، سواءا بين مكونات أمتنا العظيمة، أو بيننا وبين الشعوب الأخرى.

كلمتك الراقية وأدبك الجم أيها الإنسان العظيم هما انعكاسٌ لتاريخك وتحضرك!