ماذا لو انزعج الشعب من وزير؟

بسبب التقدم التكنولوجي الهائل، ولكون أكثر من ٦٠٪ من الشعب هم تحت سن ٣٠ سنة، فإن هنالك ارتباط وثيق بين هؤلاء الشباب والشابات واستخدامهم للتقنيات التواصل الحديثة من جهة، والتفاعل مع الأحداث وبروز مؤشرات ملموسة للرأي العام من جهة أخرى. وهذا حدث مهم وتاريخي، لأنه أطلعنا على آراء الشارع. فلقد جرت العادة لدينا ألا يكون هنالك مراكز استطلاع للرأي العام ولا بحوث ميدانية تعمل بشكل منتظم ومؤسساتي على استقراء توجهات الشعب. كل هذا يجعل المهتم بالشأن العام، وأحسب أن المهتمين بالشأن العام هم الغالبية العظمى من سكان هذه البلاد، يلجأ لمواقع التواصل العام لمتابعة الجديد ومعرفة آراء الناس.

وأثناء تجوالي بين صفحات الشيخ تويتر قدس الله سره، لفت انتباهي ردود الأفعال الساخرة لآلاف المغردين على مداخلة أحد الوزراء في دولة أجنبية. وسألت نفسي سؤالا: كم عدد الوزراء اللذين يتابعون آراء الشارع ويهتمون بها؟ إذا كانوا كثر، فكيف تكون ردة فعلهم على « هشتقة » الرأي العام لهم؟ وإذا كانوا قلة، فلماذا لا يهتم بقية الوزراء بالرأي العام؟

يبدو لي أن لـ « الطبقة الوزارية »، وبالإمكان المجادلة بأنها طبقة، تصور خاص لمعنى « الرأي العام ». هذا التصور هو نتيجة لتراكمات أحداث تمتد من بداية الخمسينات ميلادية وحتى الآن. ويمكنني تلخيص هذا التصور في الآتي: الرأي العام هو ما يمكن أن يصل إلى الفريق السياسي الحاكم بما يمكن أن يؤثر على استمرار الوزير في وزارته، وما يبرز في الإعلام الرسمي (الجرائد الصادرة في داخل البلد، القنوات المصرح لها … إلخ). بمعنى آخر، الرأي العام لدى الطبقة الوزارية، في رأيي، هو ما يمكن أن يصل إلى الفريق السياسي الحاكم سواءا مباشرة أو عن طريق الإعلام الرسمي.

هكذا فإن رأي الشعب ليس جزءا من تصور الطبقة الوزارية للرأي العام.

وهذا هو السبب الرئيسي وراء تجاهل الوزراء للشعب ولرأي الشعب، وهو السبب وراء الصمت المطبق لهؤلاء الوزراء « المهشتقين » ولوزاراتهم. وكأن في داخل كل نفرٍ منهم صوتٌ يقول: « بلاش بربره ».

لكن تراكم الوسوم « الهاشتاقات » يساهم بشكل كبير في تحول مهم للثقافة السياسية لدى الشعب. فكأنما تحول الهاتف الذكي للمواطن، وبالتعاون مع تويتر، إلى جهاز رقابي من جهة، وإلى قناة إخبارية من جهة أخرى. وفي كل مرة يصطف تويتر والهاتف الذكي مع المواطن وحقوقه ومصالحه، يبرز صمت الوزارات والوزراء وتجاهلهم للناس ولحقوقهم ومصالحهم. هذا يساهم في خلق شرخ بين مؤسسات الوطن والمواطن. فكأنما تحول تويتر إلى ثلة من المؤسسات البديلة (في الفضاء الإفتراضي). وفي هذا خطر جسيم على ثقة المواطن بوطنه وبمؤسسات وطنه.

وهنا انتقل لنقطة أخرى تتعلق بالثقافة السياسية لدى الطبقة الوزراية: تظن هذه الطبقة بأن المحافظة على المؤسسات هو فعل مادي بالدرجة الأولى (مثل رفع انتاجية العاملين في الوزارة)، بينما هو في حقيقة الأمر فعل رمزي أولا وثانيا وعاشرا ومليونا. بعد استكمال الفعل الرمزي، يأتي دور الفعل المادي ليقوم بتعزيز المفاهيم المعنوية ورمزيات الدولة-الوطنية. هذا هو ركن من أركان عملية بناء المواطنة. وهي عملية متجددة، مثلها مثل دورة التعليم، ابتدائي ومتوسط وثانوي وعالي. لا تتوقف هذه الدورة فقط لأن الجميع في لحظة ما يحمل شهادة عالية. سيكون هنالك مواليد، ولابد أن يكون هنالك دورة متكاملة بانتظارهم. هكذا هو الحال مع عملية بناء المواطنة: عمل مستمر، كلما انتهت دورة بدأت أخرى.

بقي أمر آخر. ماذا لو توصل الرأي العام لقناعة مفادها أن هذا الوزير أو ذاك يجب أن يُقال من منصبه؟ هل سيستمر انتباه المواطن متعلقا بالأخبار، انتظارا للحظة إقالة الوزير؟ أم أنها لحظة غضب عابرة؟ ماذا لو أن هنالك سيلا من الرافضين لتصرف ما أو ضعف آداء لوزير ما؟ ما يهمني هو تتبع أبعاد تأثير تلك المشاعر على المواطن وثقافته السياسية وعلى انتمائه لمؤسسات وطنه وثقته فيها.

لكون الغالبية العظمى من العدد الإجمالي للمواطنين هم من جيل الشباب، أعتقد أنه من الأهمية القصوى أخذ كل هذه الأسئلة على أقصى درجات الجد، فما ينبني لديهم الآن سيبقى معهم طويلا. ويجب تسخير الطاقات البحثية والعلمية لتتبعها ومحاولة فهمها وبناء قدرات أكاديمية وعلمية للتعامل مع ما يمكن أن يستجد في هذه المجالات. أؤمن بأن أسئلة المستقبل هي على ارتباط جزئي بما سبق.