التقشف الثاني في السعودية

من مُفارقات العيش على ريع النفط في السعودية أن الطفرة في ريع النفط صارت نموذجاً، لكن الوجه الآخر الحتمي للريع، وهو التقشف، لا يزال صدمة.

لم يكن من الصعب أن يتشكل في السعودية، عبر الأربعين سنة الأخيرة، مفهومٌ للطفرة، بل وخطاب نقديّ للسياسات الرسمية في الطفرة. كتب تكنوقراط، من أمثال غازي القصيبي، منذ الطفرة الأولى، عن أزمات التخطيط والإدارة والإنفاق وأخطاء تصميم المشاريع الحكومية والهدر والفساد، وتكفل الفشل العلنيّ لبعض المشاريع وتغيير مسار بعضها الآخر في استكمال الكشف عملياً للجمهور عن عيوب الطفرة. أصبحت الطفرة في المخيلة السعودية “نموذجاً” للرفاه والهدر على حدٍ سواء، لكن المفارقة أن وجهها الآخر، التقشف، لا يزال غير مُنمذج، أو ترفض الحكومة، والمواطنون معها، الاعتراف به بوصفهِ نموذجاً تمرّ وستمرّ به البلاد دورياً، ما دامت تعتاش على ريع النفط. تسهّل السيولة الفائضة في أزمنة الطفرة الاعتراف بوجود مشكلةٍ ما، لكن بشكلٍ غامض ومحدود، ليست مشكلة اقتصادية عويصة، مجرد سوء إدارة الفوائض هنا، أو خطأ بعض القرارات هناك، أو زُمرة من الفاسدين المخرّبين الذين لا يمكن تحديدهم. عندما تجفّ الموارد، ويحلّ دور التقشف، وينكشف الوجه الحقيقي للمشكلة، بوصفها هيكلية وتاريخية، يصير الاعتراف أصعب بكثير، سواء في ذلك الاعتراف بعمقها، أو الاعتراف بأنها ليست أزمةً عابرة أو غير متوقعة، بل مُتكرّرة وذات خصائص نموذجية، وتنتمي كُلية إلى النموذج الاقتصادي للدولة. إنها التوأم المنبوذ للطفرة.

كما نُحصي طفراتنا، الأولى والثانية، صار في الإمكان اليوم الحديث عن التقشفين، الأول والثاني، لكن تقديم إجراءات التقشف الثاني في بداية هذا العام تحت عنوان “التحوّل الوطني”، جعلت من إدراك هذا التعاقب البسيط وتوقعه مسألة عسيرة بعض الشيء على من تفاءل باللغة الوردية اللامعة للخطة. لم ينتبه المواطنون إلى أن الخطة تُدرج فرض ضريبة القيمة المضافة التي ستضع مزيداً من الضغط على متوسطي الدخل ومحدوديه، تحت بند ورديّ عنوانه “المبادرات الحكومية”، ولم يتخيّل أغلبهم أن “مراجعة المصاريف والاستغناء عن النفقات غير الضرورية” تعني مراجعة رواتبهم، أكثر مما تعني مراجعة العلاقات المالية لكبار المنتفعين من الطفرة الثانية، حتى استيقظوا على عنوانٍ صحافي وقح، يصف البَدَلات الملغاة بـ”الهدر”، وعنوانٌ وقح آخر يحضّهم على مراجعة أسلوب الحياة، والاستغناء عن حفلات الزفاف وقهوة المقاهي وزيارة المطاعم وحضور المباريات. يتكرّر التقشف ويتحوّل إلى نموذج ثابت، وهذه تطبيقاته، استيفاء العجز من خلال دخول المواطنين بشكلٍ مباشر (خفض الرواتب، رفع الرسوم)، وبشكلٍ غير مباشر، عبر الرسوم التجارية التي تُحمل، في النهاية أيضاً، على دخل المواطن، مع خطاب إعلاميّ يمتدح التقشف بوصفهِ “ترشيداً” و “تصحيحاً للأخطاء”، ويصم أسلوب حياة الأسرة السعودية متوسطة الدخل بالتبذير والرفاه المبالغ فيه، ويوبّخ المواطن على الكسل والاتّكال، ويوبّخه أيضاً على إصراره على دخول الجامعة.

بهذه الأدوات نفسها، تمت إدارة المرحلة التقشفية السابقة التي بلغت ذروتها في التسعينيات

الميلادية، عندما هبط سعر النفط إلى عشرة دولارات. وقياساً على تلك المرحلة، يمكن التنبؤ بأن ما يحصل اليوم هو المقدمة فقط، ستواصل الذهنية الحكومية الإبداعية ابتكار الرسوم والبحث عن مزيد من الميزات لإلغائها. وسيرتفع الضغط على البنى التحتية والخدمات الأولية، كالصحة والتعليم، وقد تعاني المدارس الحكومية من نقص الكوادر والتجهيزات، ويصبح التخرّج من الثانوية صعباً، والمقعد الجامعيّ أصعب. ويشحّ التوظيف الحكومي السنويّ إلى حدود قصوى، بلا بدائل في القطاع الخاص. كان من الصعب تصوّر كيف ستنفذ خطة التحول الوطني وعودها، وصار التصوّر مستحيلاً، بعد أن بدأت الخطة، قبل كل شيء، بالضغط على المواطنين اقتصادياً.

يمكن للوظيفة الحكومية أن تُصبح مُنفّرة، أو مُتعذّرة، في مدة زمنية قصيرة، لكن إيجاد بدائل معقولة في القطاع الخاص معضلةٌ وطنيةٌ صعبةٌ وقصة فشل مُزمن. وتصبح أصعب في زمن التقشف الذي سيُبطئ نمو القطاع الخاص. وفي الفجوة الزمنية بين قطاع حكوميّ، لم يعد يرغب في مزيدٍ من الموظفين، وقطاعٍ خاص غير قادر بعد على توظيفهم، ستضيع مصائر كثيرة لأشخاصِ حقيقيين، وليسوا مجرد أرقام. وليس ثمة اتّساق، على الإطلاق، بين البدء في تطبيق تقشّفٍ يدعو المواطنين إلى التخفيف من زيارة المقاهي والمطاعم وحضور المباريات، وخطةٍ وطنيةٍ تشجعهم على العمل في متاجرهم ومطاعمهم الخاصة، وتعدهم بالمشاريع الترفيهية وعروض السيرك والمسرحيات الموسيقية. تظل دولة الريع النفطي تُعلن، في أوقات الرخاء، أنها تحلم بالتحرّر من النفط، وبتنويع مصادر الدخل، لكن ما تمارسه فعلاً في أوقات الشدة هو تخفيض هباتها الموزّعة على المواطنين، حتى تمر الأزمة. هذا نموذجٌ كامل، لا يأتي إلا رزمة واحدة.

من الواضح أن عمل المواطنين في منظور الحكومة ليس ناتجاً وطنياً، وأنّ وظائفهم ورواتبهم ليست إلا هبات لاستكمال عقدٍ اجتماعيّ. ولهذا، يسهل الاعتماد عليها لعبور حُقب التقشف. انكشفت الطبيعة التعاقدية لهذه الهبات تماماً، عندما وزّعت الحكومة راتبيّ شهرين على الموظفين الحكوميين، لا مقابل عمل مُنجز أو أرباح استثنائية جُنيت، ولكن مقابل محافظتهم على العقد الاجتماعي في مراحل تحوّل سياسي. هذه الحقيقة هي ما يسهّل على الحكومة خفض الرواتب، واستردادها جزئياً على هيئة رسوم، وإلغاء العلاوة السنوية التي يُفترض أنها جزءٌ من عقد العمل، لكنها، في الواقع، جزء من التعاقد الاجتماعي القائم على الهبة، القابلة عند أيّ ظرفٍ للتعديل والنقص، تماماً كقابليتها للزيادة بلا مُبرّر إنتاجيّ. وفي حين انزعج اليوم جميع الموظفين الحكوميين من تقلّص رواتبهم، فإنّ قلةً منهم كانت قد توقفت للتساؤل عن أسباب تلك الهبات غير المُبرّرة. بينما يعبر السعوديّ سنوات التقشف المريرة، قد تكون المرحلة ملائمةً لإعادة التفكير في الذات، لا على طريقة التحسّر على “فردوس الطفرة” التي هبطنا منها إلى “أرض التقشف”، بل بالتفكير في “الخطيئة الأصلية” التي تجعله يتأرجح بينهما.

المصدر