سبعٌ عجاف!

نحن مقبلون على سنين عجاف، يهلك فيها الزرع والضرع، ويهجر فيها الصاحب صاحبه. ولإن استغربتم من رحيل السيسي عنا، فوالله ليتبعنه ألف سيسي، وإن غدا لناظره قريب. لا غنى سوى الصبر والعمل الجاد وتقوية الجبهة الداخلية والإستعداد الكامل لكل الإحتمالات، بما فيها شيطنة العالم بأسره للرياض وساكنيها، والهجوم عليها وعلى أمنها ومصالحها.

يثير الكثيرون الشكوك حول استقرارنا وبأن الوضع الداخلي مهزوز وقابل للسقوط، وبأن الوضع الإقليمي والدولي يسير ضدنا بشكل كبير. ويجب أن أؤكد هنا على امتناني لمن ينتقد بشكل بناء كل الأمور، مثل نقد خطة ٢٠٣٠ أو القرارات الإقتصادية وآثارها. فهذا النوع من النقد هو أحد أهم وسائل التقدم والتطور. ويجب أن نقدم للناقدين بشكل بناء، خالص شكرنا لقيامهم بتسليط الضوء على المسؤولين وعملهم. لكن يجب أن ننتبه لعدة نقاط.

أولا، لولا متانة الجبهة الداخلية واستقرارها، لما تزامنت عاصفتان، واحدة داخلية والأخرى خارجية. علمنا التاريخ وعلمتنا التجارب أن من  كان وضعه الداخلي مهزوز، لا يتبنى سياسات تثير عليه نقمة الأقوياء، مالا ونفوذا، خصوصا عندما يكون في مواجهة خارجية شرسة.

ثانيا، تحولات الوضع الإقليمي والعالمي هي بالفعل خطيرة وتشبه إلى حد كبير الفترة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية. لكن هذا الأمر لا يختص أثره وتأثيره على السعودية وحسب، بل على دول العالم بأسرها. وهنالك تحليلات ودراسات منشورة لباحثين فرنسين، على سبيل المثال، عمل جزء منهم في بعثة بلدهم الدبلوماسية في السعودية، تشير إلى أن هذه التحولات هي الدافع خلف تقارب فرنسا والسعودية. وهكذا، فإن التأثير الذي يطال جميع الدول يخلق فرصة ثمينة للرياض لبناء تحالفات وتكتلات، كالتحالف مع فرنسا. ولهذا، لابد لها من تطوير أدواتها ووضع خطط وأهداف واضحة (راجع تحليلي لغياب هذه الأهداف ومقترحاتي حولها في مقالتي السابقة « مابعد قانون جاستا باختصار »).

لكن، ومع هذا الإستقرار وهذه الفرص الثمينة لبناء التحالفات، يجب علينا أن نعين الضروف كي تسعفنا.

يجب أولا أن يكون الرأي العام العالمي أولوية. ولهذا، فلابد من إزالة كل حقول الألغام التي تنفجر فينا يوما بعد يوم، مثل قيادة المرأة والوصاية القانونية عليها. هذا ظلم عظيم يقع عليها، ولا بد من إزالته. وبالإظافة لكونه ظلما عظيما، فهو يشكل صفعة في وجه كل مسؤول أو باحث أكاديمي يريد أن يوضح وجهة نظر بلاده وشعبه للعالم. ففي كل مجلس تُثار فيه هذه القضايا، لايجد الإنسان السعودي سوى الحسرة على حال المرأة في بلده أولا، والخجل أمام الرأي العالمي ثانيا.

أيضا، لابد من سن قوانين لحماية حرية الرأي وحق التعبير، ومحاربة العنصرية والتفرقة والطائفية. فهذه هي أهم وسائل تقوية الإحساس بالوطنية والإنتماء ورفع مستوى الثقة في بعضنا البعض وفي مستقبلنا سوية. لا يُعقل أن يتم التعدي على أحد أبناء بلدي وعلى كرامته، ونحن نقف عاجزين عن منع هذا التعدي. ولا تقبل النفس الكريمة الأبية أن يتم التفريق بين زوج وزوجته بناءا على خرافة « تكافؤ النسب ». إذا كانت هذه الخرافة مقبولة في بلدي، فليس للعيش فيه أي قيمة بعد اليوم! ولا يتحسرن أحد على مليون مواطن اختاروا الفرار من المكان الذي بني على خرافة « تكافؤ النسب » والعيش والإستقرار في بلدان يتحقق فيها التكافؤ الحقيقي، في الحقوق والفرص والعدالة.

بالإظافة إلى ذلك، لابد من المشاركة السياسية الفاعلة لكل المواطنين. كيف للمسؤولين أن يتوقعوا أن يضحي البشر بأرواحهم من أجل بلد لا يملكون فيه لا كلمة ولا رأي؟ ماهو مصير أبناء الوطن؟ وأموالهم؟ من يتحكم في مستقبلي ومستقبل أبنائي؟ كيف يُعقل أن يتم التصرف في مستقبلي دون علمي أو مشورة مني؟ كيف؟

أنا هنا! أنا موجود!

يجب أن نتذكر ونذكر أنفسنا دائما بأن هذه الهجمة الإعلامية الشرسة التي تطال السعودية وأهلها، هي في واقع الأمر مزيج من تكالب الأمم علينا، وبسبب أفعالنا نحن بأنفسنا. فنحن من قبل بخرافات مثل تكافؤ النسب، التي تمقتها الإنسانية والنفس السوية. ونحن الذين قبلنا بالتعدي على المرأة وإيقاع أشد أنواع الظلم عليها وتجريعها صنوف العذاب ليل نهار. هذا من فعل أيدينا، وليس على يد إيران أو أمريكا. رفع هذه المظالم، ورد الحقوق لأهلها، يعد من أهم الخطوات التي تعيننا على مواجهة التحديات الجسام.

ليس بإمكان أي مسؤول فعل أي شيئ، طالما أن الشعب لا يشارك في اتخاذ القرار، ولا يأمن على نفسه من العقاب إذا انتقد هذا الشيئ أو ذاك. السنوات القادمة صعبة جدا، وتتطلب الكثير من الشجاعة والحزم لبناء حصون منيعة لحماية هذا الوطن الغالي.