سوريا بين نظرية المؤامرة وانحدار الأخلاق الروسية

لم تكن تعلم، تلك الرياحين التي خرجت في شوارع سوريا وهي تعبر عن صوت ضمير الوطن، أن حُماة الديمقراطية والحرية هم أكبر مجرمي الديمقراطية في العالم، وكذلك لن ينسى التاريخ موقف الغرب المخزي من الربيع العربي عموماً ومن الثورة السورية خصوصاً، فالمؤامرات الدولية التي حيكت لشعب أعزل، نفض عنه رداء الذل والصغار، أصبحت مفضوحة وفاقعة، إما بالتواطؤ أو السكوت، عن المواقف المعادية لصوت ضمير الوطن، والتي كان على رأسها: تصريحات المسؤولين الروس الأمن القومي الروسي في خطر من خلال “تواجد ألفي روسي وثلاث ألاف مقاتل من أسيا الوسطى منخرطين في تنظيم داعش” إلى تصريحات السيد حسن نصر الله: الواجب المقدس في حماية العتبات المقدسة، إلى الواجب الأشد قداساً: تصريحات تنظيم الدولة “داعش” في إقامة خلافة مستقرة تحت براميل الدمار العشوائي، وهكذا تسلل أعداء الشعب السوري وأعدائه لاغتيال أحلام الشباب وأمالهم وتطلعاتهم.

وبعد عام من هذه الحرب الوقائية التي شنتها روسيا بمباركة أمريكا وأوروبا، نجد أن تنظيم الدولة “داعش” في مأمن من الضربات الروسية بينما الفصائل المعتدلة هي التي تتلقى التهديد والوعيد الروسي صباح مساء، ولم يحقق هذا الجنون الروسي سوى الخزي والعار، فلا نرى إلا أشلاء الطلبة بعد أن دمرت مدارسهم وروضاتهم، أو سيارات الإغاثة الإنسانية قد أحرقت، أو أشلاء للأطفال قد ضاعت ملامحهم، فكان النجاح الروسي الوحيد هو إثبات أن الأخلاق والرقي أبعد ما تكون عن الكرملين.

باختصار كان رد الدول المتحضرة على مطالب الشعوب التي نادت بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية: هو نشر الدمار في كل مكان وإشعال حروب هامشية، حتى أن الباحث عن سبب هذا الاقتتال، يضيع في زحمة الأجندات والمؤامرات، التي تريد أن تحرف البوصلة، حتى ينسى العالم، أو يتناسى سبب هذه الثورة، التي عبرت عن صوت ضمير الوطن كما أسلفنا، وإذ بنا نسمع اليوم تصريحات كبار المسؤولين الروس “العمليات في سوريا تعد تدريبات عسكرية ذات تكلفة رخيصة في ظروف حرب حقيقية”

ونسمع عن تصورات يوري بوريسوف” نائب وزير الدفاع الروسي، أن الدول الأجنبية ستصطف في طابور لشراء الطائرات الروسية وخاصة القاذفة (سو-34) بعد نجاحها في سورية.

لو اعتبرنا أن ما يجري في سوريا هو صراع حضارات، فهل يمكن أن ينتج هذا الصراع، كل هذا التردي الأخلاقي الذي فاق الرذيلة ذاتها: شعب الأعزل يصبح حقل للتجارب، أو دعاية إعلامية لسوق بيع الأسلحة المتطورة، وهي تخترق أجساد الأطفال.

هذه المؤامرة تظهر ملامحها جلية في معظم المحطات العالمية التي تبنت فرضية النظام أن الصراع في سورية بين سلطة علمانية وبين إرهاب ديني، لذلك وجب على هذا الشعب أن: يحتضن هذا الدمار والخراب الذي ينفس أنفاسه، بين أبناءه، ولا ينبس ببنت شفة، حتى لا يوصف بالإرهابي أو متعامل مع الإرهاب، مما دفع الكثير من الثوار إلى التنازل عن سقف الأماني والأحلام، وأصبح المطلب أكثر إلحاحاً، هو الحفاظ على حق الحياة، فروسيا التي جعلت القوة غاية بحد ذاتها، قد أوكل إليها قيادة حرب شعواء بشغف طفل أرعن.

والهدف تصير مخرجات الربيع العربي بما يخدم تلك الاستراتيجية، “القضاء على أي نهضة، يمكن أن تمنع الغرب المتحضر من استلاب حق الشعوب، فمنذ خمس سنوات لا يوجد تصريح ولا تعليق للغرب إلا عن الشرق الأوسط، وكأن القارات الخمس لا يوجد فيها مشاكل أبداً، ذلك أن التطورات الكبيرة التي شهدتها المنطقة العربية، كانت بمثابة مواجهة مع الحضارة الغربية، التي أثبتت أنها تكره المدنّية الآسيوية الصاعدة، لأنها نذير شؤم لها ولحضارتها المزعومة، فكانت كلمات الرئيس الأمريكي باراك أوباما: الكيماوي خطر أحمر، هي بمثابة إعطاء ضوء أخضر لإبادة شعب بأكمله، فمقدار التوحش والهمجية والقتل المسموح فيه، فاق كل تصور والذي وصف “بالوحشية بلا حدود” أو “الحرب الوحشية” التي تحدَّت الإنسانية جمعاء، باستهداف قوافل الإغاثة الإنسانية، حتى أن ألعوبة مجلس الأمن والجمعية العمومية، أصبحت حججها أوهن من بيت العنكبوت، وما هذه الدبلوماسية إلا حلقة من حلقات إجهاض حلم الشعب السوري، بقيام دولة العدالة والحرية، وذلك من خلال الحفاظ على نظام القتل، لن سقوطه سيؤدي إلى  نشوء دول قوية متوسطية، ثانية تقف كتفاً إلى كتف مع الجمهورية التركية، وهذا يهدد الأمن الأوروبي والروسي والإسرائيلي على حد سواء، لذلك دأب النظام العالمي على حماية النظام القائم، والذي يعمد إلى إجهاض حركات المجتمع المدنّي، وإغراقه في اليأس والإحباط، من خلال فرض اضطرابات اقتصادية واجتماعية من شأنها تثبيت السيطرة الغربية على المنطقة العربية، من خلال تغول وتلاعب المخابرات العالمية في الأمن العربي والشارع العربي.

نجد ذلك ماثلاً أمامنا في التوافق الأمريكي الروسي الإسرائيلي، على تهميش وإبادة الشعب العربي السوري بأكمله، الذي يرفض توصياتهم، وقلقهم المزعوم، على وحدة الشعب السوري، وهم يقومون بعملية إخصاء الوعي استراتيجي، من خلال تثبيت زعامة ميليشيات المتعددة الفوضوية.

كل هذه المؤتمرات والقرارات والصفقات السلاح، تبذل بسخاء خوفاً من استيقاظ المارد العربي، الذي سيتم استيقاظه عشية نيل الشعوب حقوقها وكرامتها.

الغرب الذي يقود الثورة المضادة، كلما انتصرت ثورة شعبية حقيقية، لذلك يحرص على تأييد الثورات العربية ليخترقها من الداخل، ويلتف عليها، من خلال النخب الموالية والتابعة له.

فكانت هذه هي الوسيلة الناجعة لتحقيق الانحدار نحو الهاوية، بعد سيطرة اليأس والقنوت، على بعض الفصائل الثورية، عندما رأت الجنون الروسي الذي يهدف إلى إبادة الشعب السوري نهائياً، أو أن يقتنع السوريون كما اقتنع العراقيون بضرورة تقسيم البلاد، ليصبح الحفاظ على وحدة البلاد هو العزاء الروحي لكل جهادهم، فمنذ ثمانية أشهر وأمريكا تلمح إلى أن الجنون الروسي سيسحق المعارضة نهائياً خلال ثلاثة أشهر، وفي الحقيقة لم يحقق هذا الجنون الروسي إلا الدمار والخراب.

لكيلا تكون هناك دولة متحررة في منطقة الشرق الأوسط، ولم يكن الانقلاب الفاشل على الشرعية التركية، إلا تعبيراً عن كرههم لأكثر شعوب العالم حيوية.