صعود الخطاب العنصري على هامش تويتر

كلما طالعت صفحات الشيخ تويتر، وجدت كما لا بأس به من المفردات التي تنضح بالعنصرية ضد المقيمين. فكأنما هنالك ربط منهجي ومنظم، يستدعي دائما صورا ومقاطع فيديو ليثبت ادعاءاته ويثبت ربطه، بين الجريمة والفساد والظروف الإقتصادية الصعبة من جهة، والمقيمين من جهة أُخرى.

ولا أرى أي جهد مقابل، للتوعية وللرد على هذه الإدعاءات التي لا يمكن أن تكون أبعد عن الحقيقة والواقع.

هذا الخطاب يتهم المقيم بأنه ساس كل بلاء وجريمة وفساد. فكأنما نحن شعب من الملائكة، نزلنا من السماء طاهرين مطهرين! وكأنما ليس لدينا مشاكل تتعلق بالجريمة والجهل والفساد وقلة الوعي. لا يعلم هؤلاء القلة العنصرية بأن نسبة جرائم المقيمين لا تُقارن بأي حال من الأحوال بنسبة السكان الأصليين؟ ألم تر هذه القلة العنصرية بأن فساد بعض الفاسدين المتنفذين قد تجاوز حدود أي فساد لأي مخلوق في تاريخ  الإنسانية جمعاء؟

قولي هذا يهدف فقط للتذكير، بأن الفساد لا أصل له، سوى النفس الفاسدة. وهذه المشاكل  (العنصرية أو الفساد) هي مشاكل موجودة في كل مجتمع، وتحت كل الظروف. لاحل نهائي لها. إنما يجتهد الوطنيون من أصحاب الحس الإنساني العالي، بأن ينشؤوا وسائل مستمرة لمكافحة هذه الآفات. الكفاح هنا يصبح كالدائرة، نقطة النهاية فيها هي نقطة البداية من جديد، فكأنما لانهاية ولا بداية، بل دوران أبدي.

وبالرغم من عدم وجود حياة حزبية سياسية في السعودية، إلا أن الأجواء تذكرني بصعود أحزاب اليمين المتطرف في فرنسا وألمانيا وإيطاليا ورومانيا وغيرها. شأننا في هذا كشأن صعود ترامب وزمرته. هذا الصعود مبني على العنصرية وكره الآخر، ولومه على كل المشاكل الأخلاقية والأمنية والإقتصادية. فبنفس الطريقة التي تدعي مارين لوبين في فرنسا بأن المهاجرين هم خطر على الهوية الفرنسية، وعلى أمن فرنسا، وعلى اقتصاد فرنسا، أسمع بين الفينة والأخرى أصواتا مشابهة في السعودية، أتابعها عن بعد، وأنا في بلد الإغتراب، من خلال تويتر.

فما الفرق بين تصريحات دونالد ترامب العنصرية والعدائية تجاه المسلمين والمهاجرين من أمريكا اللاتينية والسود، وبين تصريحات وتعليقات بعض الشخصيات التويترية التي تدعي بأن كل كارثة لدينا خلفها مقيم، لا يهمه في هذا البلد سوى التكسب والسعي للخراب؟ أنا شخصيا لا أرى أي فرق. فلو أخذنا هذه الأصوات السعودية الشاذة، ووضعناها في فريق حملة دونالد ترامب الإنتخابية، لما تغير شيئ سوى الأسماء والصفات. فالخطاب سيبقى كما هو. والعنصرية ستبقى كما هي.

الأسوأ من ذلك هو أن هؤلاء البعض، والذين تابعت نفرا منهم لمحاولة فهم هذه التوجهات ودوافعها، يشتكون ليل نهار من صعود اليمين المتطرف في أوروبا ويتباكون على السماحة وقبول الآخر في الولايات المتحدة الأمريكية، ويصرون أيما إصرار على عدم التعميم. وإذا حدثتهم عن التسامح وقبول الآخر، والإنسانية، وحقوق الإنسان، والوعي والعدل والمساواة، سلقوك بألسنة حداد عن تاريخنا المجيد في حفظ الإنسان وحقوقه وفي قيمة العدل، وأخرجوا لك من بطون الكتب، مالو قُرئ على دونالد ترامب، لتبرع بكل ثروته للمؤسسات الخيرية ولنذر حياته لمساعدة المنكوبين وضحايا الكوارث الطبيعية والحروب.

كيف لنا أن نفعل هذا ونحن شعب ابتلينا بمن يعاملنا وفق صور انطباعية، ومعلومات مغلوطة، وأحيانا بسبب كراهية وحسد، (وأحيانا أخرى بسبب تصرفاتنا أيضا)؟ نحن ضحايا لهذه الأفكار، ولهذه العنصرية، ولهذا الجهل، فكيف نقبل به بيننا؟

أعلم أن هذه الأصوات هي أصوات معزولة، لكن أول النار شرر. ولايجوز أن يتم الركون إلى كونها معزولة فنطمئن لأن الأكثرية الغالبة هي ضد هذا الخطاب المقيت. يجب أن نكافح هذا الخطاب بكل ما أوتينا من قوة.

فأكثر من ستين بالمائة من الشعب هم دون سن الثلاثين. وهذا يعني قابلية أكثر من ثمانية عشر مليون إنسان للتأثر بهذه الخطابات. فما يتأثرون به الآن، سيصبغ الثقافة السياسية والعامة للبلد بأكمله على مدى العقود الثلاثة القادمة، على الأقل. في المقابل، فإن التأثير الإيجابي ورفع مستوى الوعي، والتسامح، والمحبة، والإنسانية، وسعة الأفق، هي أمور تتمتع، إن تمت، بفرص أن تصبح سمة تصبغ الثقافة السياسية والعامة للبلد على مدار العقود القادمة.

لنتذكر المساهمات الجليلة للمقيمين في بناء هذا البلد، ولنتذكر أساتذتنا، وأطبائنا ومهندسينا المقيمين. ولنتذكر المقيمين الذين يشغلون وظائف أخرى، لا تقل أهمية، مثل البناء والحفاظ على حدائقنا وشوارعنا مما نتسبب نحن فيه من عبث.

شكرا لكل مقيم ومقيمة على مساهمتهما في تطور هذا البلد.