حريات التماثيل وتماثيل الحريات!

لو كان خديوي مصر إسماعيل قد وافق على المشروع الذي قدمه له الفنان الفرنسي فريدريك بارتولدي في العام 1869 لكان تمثال الحرية ينتصب الآن بشموخ في وسط القاهرة، أو ربما على ساحل البحر الأبيض المتوسط في مدينة الاسكندرية بدلا من مكانه الحالي عند مدخل مدينة نيويورك!

لكن الخديوي اسماعيل، الذي هاله المبلغ المطلوب لاتمام العمل في إنشاء التمثال، رفض الفكرة برمتها ورأى أن بلد الأهرامات لا يحتاج تمثالا بطول 93 مترا، حتى وإن كان يحمل اسما مغريا هو «الحرية تضيء العالم»، وهو اسم التمثال الأصلي!

صوّر بارتولدي حريته التي رأى أنها ستضيء العالم كله بهيئة امرأة، تمثل الفكر الليبرالي الحر، تخلصت للتو من قيود الاستبداد فشمخت برأسها إلى الأعلى ترفع بإحدى يديها مشعلا وفي الأخرى كتابا، وعندما قررت فرنسا أن تشتري فكرة التمثال من صاحبها، لتهديها إلى الولايات المتحدة الأميركية بمناسبة الذكرى المئوية الأولى للثورة الأميركية، أضيفت لفكرة التمثال كلمات وتواريخ تعبر عن تلك الذكرى، نقشت على سطح الكتلة المعبرة عن الكتاب الذي تحمله سيدة الحرية.

وهكذا أصبح التمثال رمزا أميركيا خالصا رغم جذور الفكرة المصرية، حيث قيل ان مصممه استوحى شكله من ملامح السيدات المصريات ليغري الخديوي به، والتنفيذ الفرنسي الذي تم على يد عمال فرنسيين مهرة، ليرتكز في النهاية على القاعدة الكبيرة التي بناها الأميركيون على شاطئ خليج نيويورك، فانطبع بالطابع الأميركي ومفهوم الحرية كما يراها الأميركيون.. وحدهم!

أعادتني لحكاية التمثال وشكله وتاريخه صورة معبرة انتشرت مؤخرا عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتمثال حجري رهيب يحاكي تمثال الحرية، لكنه مصنوع من أنقاض البيوت السورية المهدمة بفعل الحرب في حلب. وقد ظن كثيرون أنها صورة لتمثال حقيقي قبل أن يصرح الفنان السوري تمام عزام أنها «فوتومونتاج» أبدعها عبر الحاسوب لإيصال رسالته الفنية الداعية للسلام، عبر استخدام الرمزية التي يحملها تمثال الحرية الأميركي الشهير في معادل فني موضوعي.

المفاجأة أن «فوتومونتاج» تمام عزام يعود الى بدايات الثورة السورية، وكان الفنان، المعارض لنظام الطاغية والمقيم خارج سوريا، قد حملها آماله بالحرية والسلام الآتيين عبر الثورة، كخلاص سريع في ظلال الربيع العربي بتفاؤل متشعب سرعان ما خبا في نفسه، وهو يرى تداعيات الثورة التي تمزقت أوصالها ما بين الشرق والغرب، لتصبح سوريا كلها ساحة حروب دولية يتصارع فيها الجميع على حساب الانسان السوري، الذي جرد من حريته.. فأصبحت غالبا مجرد تمثال من حجر موشح بدماء الأبرياء التي سالت على امتداد الأراضي السورية بفعل حرب بدأت ولا أحد يعرف تماما متى تنتهي وكيف!

المؤلم أن هذه الحرية، التي تشكلت على هيئة تمثال حجري يرتفع الى السماء، تحولت من حيث لا يدري ولا يريد الفنان، الى سلاح بيد نظام الطاغية لكي تكون رسالة معاكسة للرسالة الحقيقية لها. فبدل أن تكون دعوة للحرية الحقيقية التي هي حلم كل انسان طبيعي على وجه هذه الارض، أصبحت وسيلة لدفعها بحجة أنها لا تأتي وإلا ويأتي معها الدمار الشامل الذي يحول البشر الى جثث، والبيوت الى أنقاض، والشوارع الى مقابر، والضحكات الى عويل وآهات!

هكذا إذاً.. مفردة واحدة، التي هي مفردة الحرية، باعتبارها المعادل الموضوعي الحقيقي للوجود الإنساني ومعناه كله في هذا الوجود، يمكننا قراءتها من خلال الحجر الذي حوله الإنسان الى تمثال بمعان مختلفة يناقض بعضها بعضا، لنكتشف أن السياسة وألاعيبها يمكن أن تغير وجهة نظر الفن ورسالاته الخيرية الى مجرد أدوات للشر، فكما تحول تمثال الحرية، الذي رفض خديوي مصر أن يشتريه ليكون إيقونة تحضر في قلب القاهرة قبل قرنين من الزمن تقريبا، فتحول لاحقا الى رمز للتوسع الأميركي المتخفي تحت ظلال التحرر الوطني والفردي، تحول عمل فني فوتوغرافي يدعم الثورة السورية في بداياتها الى مجرد حطام يستخدمه النظام الشرير ليدعم وجوده، ولو على حساب جثث البشر وأنقاض البيوت التي تحولت الى حجر. لكن الحرية لحسن الحظ معنى يتجاوز فكرة التماثيل الحجرية ليكون وقود الثورات الحقيقية.. المستمرة ولو كره الطغاة!