تحدي أوبك.. معضلة الأسعار قبل اجتماع فيينا

في شهر سبتمبر/ أيلول، في جهدٍ منسق لوقف هبوط أسعار النفط والإسراع في إعادة التوازن للسوق العالمية، أعلنت منظمة أوبك للدول المصدرة للبترول التوصل إلى «اتفاق الجزائر».

ودعا أعضاء أوبك إلى تجميد الإنتاج عند مستوى بين 32.5 مليون برميل يوميًا و33 مليون برميل، أملًا في الإسراع في إحداث التوازن ببدء استنفاد تراكم المخزون العالمي. وفي الأشهر التي سبقت 30 نوفمبر/ تشرين الثاني، موعد الاجتماع القادم لأوبك في فيينا، عملت لجنة على حصر حصة كل بلد على حدة، لتقسيم حصص تخفيض الإنتاج بين الأعضاء، وحل النزاعات المتعلقة ببيانات إنتاج كل بلد، وإضفاء الطابع الرسمي على الإعفاءات لبعض البلدان، في الوقت الذي شجّعت فيه الدول الأخرى خارج أوبك بالانضمام للاتفاق.

وكان لاتفاق الجزائر اثنين من التأثيرات الهامة، وكلاهما إيجابي لمصالح المنتجين. أولًا، تجنّب تكرار كارثة الدّوحة، حيث أدّى الفشل في الخروج بقرار إلى انخفاضات كبيرة في السعر. وثانيًا، في الأسابيع القليلة التي تلت القرار، وبدعم معنوي من اتفاق أوبك، لم تتوقف الأسعار عن الانخفاض فقط، بل ارتفعت لتصل إلى أعلى من 50 دولارا للبرميل، الأمر الذي أنعش عائدات المنتجين في تلك الفترة.

في الأسابيع القليلة الماضية، تذبذبت الحركة السعرية للنفط بناءً على أساسيات السوق، والمشاعر، وتحديد المواقع التجارية، وقوة الدولار، مع شكوك حول صفقة محتملة لزيادة المعروض (من أعضاء أوبك وغير الأعضاء)، وضعف الطلب، والمخزونات الهائلة، وما إلى ذلك. وكانت أرقام إنتاج أعضاء أوبك في أكتوبر/ تشرين الأول (عند 33.8 مليون برميل يوميًا) متجاوزًة الارتفاعات السابقة، رغم توصيات المنتجين سابقًا بالحاجة لخفض الإنتاج من 800 ألف إلى 1.3 مليون برميل يوميًا، للوصول إلى هدف اتفاق الجزائر. وشهد الشهر أخبار عن ارتفاع الإنتاج في كلٍ من ليبيا والجزائر.

إضافةً إلى ذلك، جاءت ارتفاعات أخرى من خارج أوبك، مدعومة بالزيادات في إنتاج روسيا والبرازيل وكندا والنرويج وكازاخستان، واستمرت لتتسبب في نمو المخزون، في الوقت الذي جاء فيه الطلب على المعروض منخفضًا عن التوقعات في الصين مثلًا. وفي الولايات المتحدة، مع انتخاب «دونالد ترامب»، المرشح الداعم للتنمية ومشاريع البنية لتحتية وزيادة الإنتاج، استفادت الشركات المنتجة للنفط الصخري بتلك المؤشرات الإيجابية واستغلت تجاوز السعر 50 دولارًا للبرميل، لتستغل السيولة النقدية في توظيف رأس المال الإضافي في حقول النفط بعدما وجدت الشركات أن الظروف مواتية.

وتسري شائعات حول تخفيضات معقولة من جانب السعودية (على الأقل إلى الصيف)، مع مؤشرات إيجابية في دول أخرى في أوبك، وكذلك في روسيا، تقترح نوعًا ما من الاتفاق قد يصبح واقعًا في المستقبل القريب.

إذًا، ماذا ستفعل أوبك؟

تتعرض «أوبك» وأمينها العام، «محمد باركيندو»، لضغط هائل. ورغم عدم وجود أحد يقلل من خطورة أو صدق كلمات وزير النفط السعودي «خالد الفالح» حين عاتب زملاءه في أوبك قائلًا بأنّ الأمر «ملح» للوصول إلى اتفاق ذو مصداقية، فإنّ احتمال تحقيق خفض ذو معنى ومستمر (بناء على أمر بـ 800 ألف برميل يوميًا) يبقى شاقًّا ولكنه قابل للتنفيذ.

خلال عطلة نهاية الأسبوع، تسببت بعض التقارير المختلطة، عن قرب الوصول لاتفاق، بتحريك الأسعار مرة أخرى، مع وجود بعض المحللين يشككون في مقدرة أوبك على الوصول لاتفاق حقيقي، وهو ما انعكس في انخفاض السعر عن 45 دولارا. وحذّر آخرون من أنّ السوق لن يرحم وسيشهد انخفاضات حادة جديدة إذا لم تصل أوبك إلى ما تمّ الوعد به. وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى من 48 دولارا على إثر شائعة بنية العراق الانضمام للاتفاق.

فماذا سيحصل إذا استطاعت أوبك الوصول إلى المأمول هذا الأسبوع؟ خفض سعودي بمقدار 400 مليون برميل يوميًا بالإضافة إلى التزامات مناسبة من باقي دول الخليج، وتجميد إيران لإنتاجها عند المستويات الحالية، وإعادة تقييم إنتاج العراق، ومشاركة اسمية من روسيا قد تساهم في النتيجة، مع افتراض تصديق السوق أنّ هذه التخفيضات حقيقية ومستدامة. في وقت ستدعم مشاكل الإنتاج المتجددة في فنزويلا وليبيا ونيجيريا الأسعار زخم ارتفاع الأسعار.

تدعم مثل تلك النتيجة بوضوح رفع الأسعار فوق المستويات الحالية، الأمر الذي يزيد من فرص تسارع تعافي السوق عام 2017، وسيحقق على المدى القصير في الوقت نفسه توازن «معتدل» على الأقل، يكفي لجلب عائدات إضافية واحتمال سحب تراكم المخزون الهائل بدون تآكل كبير للطلب الاستهلاكي. ومن الممكن أن يسمح ذلك للأوضاع السياسية في ليبيا وفنزويلا ونيجيريا للعب وقت أطول وتوفير وقت إضافي لتقييم أكثر استنارة للطلب عام 2017. والخطر من الأمر بالنسبة لأوبك يرجع إلى أنّ الأسعار المرتفعة المستدامة ستشجع أيضًا بدرجة ما تسريع دائرة الاستثمار والذي من الممكن أن يؤدي بدوره لتضخم جديد في المخزون.

وبدلًا من ذلك، إذا فشلت أوبك بدرجة ما في الوصول للحد من الإنتاج هذا الأربعاء، يعني هذا العودة إلى مستوى سعري أقل من 40 دولار للبرميل، وهو ما يعيد عائدات أوبك إلى أقل مما سبق اتفاق الجزائر، بكل ما في الأمر من مخاوف التأثير على ميزانيات الدول الأعضاء.

ومنذ اتفاق الجزائر في سبتمبر/ أيلول، استطاعت أوبك تحقيق ارتفاعات طفيفة في سعر النفط بواقع من 7 إلى 8 دولار للبرميل. وقد تمكنت أيضًا بقوة التصريحات فقط تحقيق هذه النسبة القليلة.

ومع قرب 30 نوفمبر/ تشرين الثاني، تتعلق آمال المنتجين حول العالم بنجاح أو فشل اجتماع فيينا. وفشل الاجتماع سيؤدي بشكل لا لبس فيه إلى مزيد من الضوائق المالية والتحذيرات المتجددة من الضعف المستمر للاستثمار، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى صدمات سعرية جديدة خلال السنوات القادمة. والنجاح يمكن أن يعني فقط العودة لأسعار مرتفعة بشكل مؤقت، إلى حين ارتفاع الإمدادات الجديدة (من الأسهم أو الآبار) وفقًا لتحفيزات السوق، وسوف يتكرر الأمر على شكل موجات. كما أن الأحداث، مثل تعطل الإمدادات أو البطء الاقتصادي، من الممكن أن تغير التوقيت أو السعر أو التوازنات، ولكن بشكل أساسي، على الأقل خلال الأرباع السنوية القليلة القادمة، سوف تتأثر «اللعبة طويلة الأجل» بالقرارات قصيرة الأجل.

المصدر